خامساً : إن هناك نزعة عند البشر لخلط التراث بالدين ، وليس الدين كالتراث . فالدين مقدس لا ريب فيه ، والتراث غير مقدس ، ويمكن نقده . ومن هنا فإن الله قد أمرنا بالاستغفار للآباء وللسابقين إلى الإيمان ، لأنهم كانوا معرضين للخطأ ، بل للخطيئة أيضاً ؛ فلا يمنعنا العطف عليهم من تصحيح أخطائهم المحتملة .
سادساً : إن هناك من يدفعه تعظيم السابقين إلى خشية مخالفتهم ، وهذا يجعله مقلداً لهم من حيث لا يدري ، فلا يسمح لنفسه حتى بالتفكير في غير ما رأوا . وهذا خطأ ، لأن الحق أعظم من الأشخاص .
سابعاً : لو علمنا أن منهج السابقين في استنباط الأحكام خطأ ، فإن آراءهم المستندة إليه لا تنفع كثيراً . كما أنه لو علمنا أن السابقين اعتمدوا على دليل موجود فعلًا بين أيدينا ، كان علينا النظر إليه لا إلى آرائهم .
ثامناً : إن العلماء السابقين يتميزون عن اللاحقين بقربهم الزمني من مصادر الحكم ، بينما يتميز اللاحقون بدقة نظرهم وتراكم خبرات الماضين عندهم ، فلا يمكن الاستغناء عن كلا الفريقين .
بين الإجماع والشورى
أشرنا أن للإجماع أفقين ، فقد يكون في الأحكام الثابتة ، وقد يكون في القضايا المتغيرة ، فما هي علاقة الإجماع في هذا الأفق بالشورى التي هي أيضاً في المتغيرات ؟
العلاقة هي : إن الإجماع يعني نتيجة المشورة فإذا عزم أكثر القوم على أمر كان على البقية الانصياع ، ولكن السؤال : كيف فسرنا الإجماع بعزم الأكثرية ؟ الجواب إن أصل معنى الإجماع العزم كما قال ربنا سبحانه : فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( يوسف / 15 )
وقال المحقق الحلي : إن الإجماع مأخوذ من قولهم أجمع على كذا إذا عزم عليه « 1 » .
هامش
( 1 ) - فرائد الأصول ، ص 57 .