ويومئذ يعي بصائر الوحي بصورة أمثل ، ويميز بها ما ينفعه من جديد العصر عما يضره ، وما ينفعه من تراث الأولين عما يضره .
ذلك لأن ممارسات المسلمين في التاريخ - كممارسات المسلمين اليوم - ليست كل احتمالات الحضارة الاسلامية ، بل إن بعضها كان ولا يزال غطاء يخفي اشراق الاسلام الحقيقي .
إن الاسلام الحق ، يمكن أن يعطي الانسانية حضارة روحية مادية ، عظيمة المنفعة والروعة ؛ وعلينا ان نستخرج من ( كنوز الاسلام ) حضارة أسمى .
فمن خلال نظرة سريعة إلى القرآن الكريم نجد أن الله تعالى لم يبين فيه إلا أحكاماً قليلة ، وركزفي بقية آياته - على منظومة من القيم التي أراد ترسيخها في وعي الأمة بشكل كامل ؛ . إنما فعل ذلك ليفتح أمام الأمة أبواب التطور . .
والنبي محمد صلى الله عليه وآله لم يكتب لنا أسفاراً مطولة في التشريع ، انما بين أصول العلم والحكمة ورسخ قيم القرآن بتشريعاته الرشيدة ، ثم وجه الأمة إلى خلفائه المعصومين ، فقال : ( إني تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) « 1 » .
وخلفاء الرسول عليه وعليهم السلام لم يؤلفوا كتباً مطولة في الأحكام الفقهية ، إنما قالوا " علينا بالأصول ، وعليكم بالفروع " ووجهوا الأمة من بعدهم إلى الفقهاء ، وقالوا : ( وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا ) « 2 » .
ولكن السؤال : هل قمنا نحن - حسب مسؤوليتنا الدينية - بتطوير الأحكام وفق متغيرات العصر ؟ أم تمسكنا بالجانب الثابت من الشريعة وضخمناه وأعدنا صياغته من جيل إلى جيل ، بينما المتغيرات تركناها لاجتهادات الناس ؟
وتبعاً لذلك هناك مئات الأسئلة العريضة حائرة اليوم وتتطلب أجوبة صحيحة وواقعية وواضحة ، فأنّى لنا بذلك .
لو لم تصبح القضايا اليومية الملحة هي محور الدراسة ، ولم نعالجها بشجاعة وحكمة ، ولو لم تتم التضحية بكثير من التقاليد التي أصبحت عند البعض من المقدسات ، فان حسابنا سيكون عسيراًأمام الله ثم أمام التاريخ .
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 100 .
( 2 ) - المصدر ، ج 53 ، 181 .