الأقدام ، وزادهم ثوبا الإحرام تواضعًا ، ووقوفهم في ذلك الوادي المقفر تحت أشعة الشمس الملتهبة ، وتحت وطأة حرّها اللافح ، نسيانًا لدنيا الزخرف الأجوف والجمال المزيف ، وتذكّرًا لعالم العقبى ، ويوم الطامّة الكبرى . فاليوم يجتمعون على مائدة التوبة والمغفرة ، وغداً يُحشرون للحساب والجزاء ، فيستغفرون من الذنوب ، ولا يعود إليها عرض حياته بعد هذا . . إلَّا الشقي من أشقيائهم .
مندوبات عرفات
وكان المندوب في ذلك شيئًا كثيرًا ، من دعاء وصلاة ، واستغفار وتسبيحات ، لا سيّما للواقف بعرفات ، الذي يجتمع فيه أمران : شرف المكان ، وعظمة اليوم .
وأعظم من ذلك كلّه دعاء الإمام الحسين بن علي ابن أبي طالب عليهما السلام الهادر من قلب الإيمان والمنطلق عن فم العبوديّة ، بنغمة صوت المطيع المستجير ، فكل كلمة منه ومضة من نور الإيمان ، تملأ القلب ، وتضئ دجاه ، أو نبضة توحيد تحيي النفوس وتنفخ فيها روح المعرفة واليقين . .
فانظر إلى قِسْمٍ مِنْ حمده كيف يشرح صدرك ، ويهديه ويخرجه من التيه البعيد :
( الحَمْدُ لله الَّذِي لَيْسَ لِقَضَائِهِ دَافِعٌ ، وَلَا لِعَطَائِهِ مَانِعٌ ، وَلا كَصُنْعِهِ صُنْعُ صَانِعٍ ، وَهُوَ الجوَادُ الْوَاسِعُ ، فَطَرَ
أجْنَاسَ الْبَدَائِعِ ، وَأَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنَائِعَ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الطَّلَائِعُ ، وَلَا تَضِيعُ عِنْدَهُ الْوَدَائِعُ ، أَتَى بِالْكِتَابِ الجَامِعِ ، وَبِشَرْعِ الْإِسْلَامِ النُّورِ السَّاطِعِ ، وَهُوَ