3 / والصابر الشاكر لا يبصر ظاهر الحوادث فقط ، بل إنه ينفذ إلى ما وراءها من سنن ، ومن تلك السنن يهتدي إلى خالق السماوات والأرض ومدبرهما . فإذا ركب سفينة جارية في البحر كأنها جبل أشم ، يفكر كيف علم الله البشر صنع هذه السفينة ، وكيف سخر الريح لتسييرها . . قال الله تعالى : وَمِنْ ءَايَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالاعْلَامِ * إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَايَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( الشورى / 32 - 33 )
4 / وفي سنن الماضين عبرة للصابرين ، لأنهم ينفذون ببصائرهم إلى عمق التاريخ . فلا يمنعهم بعد الزمان عن الانتفاع بدروس الحياة الماضية ، ولماذا هلك من هلك من الأمم الغابرة .
لماذا هلك - مثلا - قوم سبأ ؟ لأنهم لم يشكروا النعم ، بل ظلموا أنفسهم حين دعوا الله بأن يباعد بين أسفارهم . فمزقهم الله ( حتى ذهبت حياتهم مثلا ، فقالت العرب : تفرقوا أيدي سبأ ) . فقال الله تعالى : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً ءَامِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَايَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( سبأ / 18 - 19 )
5 / والصابر الشكور يغور في بحر المجتمع ليعرف السنن ( القوانين ) الاجتماعية التي تسود الحياة البشرية ، . ومنها ان الانسان جبل على حب المحسن اليه . يقول الله تعالى : وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا الْسَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( فصلت / 34 - 35 )
هاء : الصبر زهد وترقب
1 / حين يقارن العقل بين الدنيا والآخرة ، فإنه سيختار الحياة الفضلى والباقية وَالأَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ( الاعلى / 17 ) . وهكذا الصابر يزهد في الدنيا ، ويختار العقبى عليها ، لأنها باقية دون هذه . يقول الله تعالى : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِاحْسَنِ مَا كَانُو يَعْمَلُونَ ( النحل / 96 )
2 / ونظرة الصابر إلى نفسه مختلفة أساسا من نظرة الآخرين . فهو لا يملك نفسه ، ولا يملك شيئا خولت اليه صلاحية التصرف فيه ، وهو لا يبقى خالدا في الدنيا . من هنا فإذا فقد شيئا