ويقال قلم محرّف ، إذا كان رأسه مائلا غير مستقيم . « 1 »
3 / والتحريف الذي مارسه اليهود كان تحريف الكلم عن مواضعه ، وذلك بتأويل الكلم عن معانيه الصحيحة إلى التطبيقات الباطلة . وفي ذلك يقول الرازي في بيان أحد وجهي التحريف الثاني ؛ ان المراد بالتحريف القاء الشبه الباطلة ، والتأويلات الفاسدة ، وحرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية . « 2 »
ولعل قوله سبحانه لَيّاً بِأَلْسِنَتِهمْ دليل على ذلك . وسوف نعود انشاء الله إلى التدبر في معنى لَيّاً بِأَلْسِنَتِهمْ عند تفسير آية أخرى . قال الله تعالى : مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاوَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( النساء / 46 )
ونستفيد من الآية عدة بصائر :
الف : انه كان من اليهود قوم يحرفون الكلم عن مواضعه ، فإذا بهم يستخدمون الكلام في غير ما وضع له . وهذا نوع من الالتواء والنفاق ، ولعل مثل ذلك قولهم سمعنا وعصينا . والمفروض ان يقولوا سمعنا وأطعنا ، لان من يسمع الحق وجب عليه طاعة المبعوث به وهو الرسول ، لا عصيانه . كذلك قولهم وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ فإن من حق من يسمع ان يستمع اليه ، أوليس الجدال بالتي هي أحسن يقتضي ان نقول ليسمعنا الاخر ويقول لنسمعه ، فكيف قالوا اسمع غير مسمع ؟ وكذلك قولهم راعنا وهو كلام يقوله الذي يريد تطبيق الحق ، ولكنهم كانوا يرفضونه جملة وتفصيلا ، ولم يكن طلبهم بالرعاية غير وجل منهم وكسباً للوقت .
باء : ان اليهود ( ومن يتبعهم من المنافقين ) يستخدمون الكلام غطاء لنفاقهم ، وهدفهم القلبي الطعن في الدين . وانما الكلام الحق هو الذي يعبر عن القلب ، فإذا قالوا سمعنا كان عليهم ان يقولوا أطعنا ، وإذا قالوا اسمع فعليهم ان يقولوا انظرنا ( لنطبق الدين على مهل ) .
جيم : ان هذا التحريف نابع من كفرهم الذي يقتضي لعنة ، ومن اللعنة انهم صدوا عن الايمان
هامش
( 1 ) تفسير الرازي حول الآية / الجزء 3 / ص 134
( 2 ) المصدر / ج 10 / ص 118