احكامه ، بل حتى ولو افترضنا انحرافه عن جادة الحق ، فإنه قادر على تغليف انحرافه بتبريرات دينية أليس في كتب الفقه باب تحت عنوان باب الحيل ، أوليس الانسان كان أكثر شيء جدلا ، أو لم تكن سلطات الجور عبر التاريخ تؤول الدين حسب أهوائها وتنفق الملايين على علماء السوء لاستصدار الفتاوى منهم .
هذا التساؤل ، يتناول عندي ، أهم نقطة في حقل السلطة السياسية في الاسلام ، وللإجابة عنه لابد ان نعود إلى دور القيم الذي سبق وان تحدثنا عنه انفا ، ونقول :
القرآن هو الكتاب المعجز الذي تحدى الله به عباده ولا يزال يتحداهم أربعة عشر قرنا ، ولم يستطع أحد الاستجابة لهذا التحدي الأعظم ، هذا القرآن ليس فقط الأكثر تلاوة بين الكتب ، بل وأيضا الأبلغ تأثيرا .
وقد صاغ القرآن ، شخصية الأمة المؤمنة ، بالقيم الايمانية حتى أصبحت جزء منها .
توحيد الله ، واتباع رسل الله ، وولاية أوليائه وتكريم المؤمنين والاخوة معهم ، وتجاوز العصبيات . . والعدل والصدق والأمانة ، والانصاف والاحسان وسائر المباديء السامية ، وهي الميثاق الإلهي بين الحاكم والرعية ، فمن اتبعها كان حريا بقيادة الأمة . . ومن خالفها وجب عليها القيام ضده .
ومن هذه القيم ، بل من أعظمها رعاية حق الأمة في الانتخاب ، فمن صادرها بأي تبرير ، حق للأمة القيام ضده .
ان الملك عقيم ، ومن ملك استأثر ، وكل حاكم يرى أنه الضرورة التاريخية ، وان الأرض تفسد إذا تارك السلطة ، لذلك يفكر قبل كل شيء في أية طريقة تجعله خالدا في مركزه بحق أو بباطل ، وعادة تسول له نفسه الباطل وتريه حقا .
ومن هنا فان مقياس الأمة الواعية التي تستحق الحياة الكريمة ان يحافظوا على حقهم في تنحية الحاكم عن كرسي الحكم . .
وما القيم التي يبرر بها الحكام استمرار سلطانهم ، الا افكارا جاهلية ، وايحاءات شيطانية ، اتعب الحكام الفاسدون أنفسهم في اختراعها ، وانفقوا أموالا طائلة في بثها بين الناس ، واشتروا ضمائر الكتاب المتافهين وأدعياء الدين ، حتى كرسوها بين العوام .
وهنا بالذات حلبة الصراع الأساسي بين العدل والسلام ، والحرية والتقدم ، وبين
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 269
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٦٩