تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
العرفي وليس الشخص لأن اللغة ظاهرة اجتماعية وليست حالة فردية ، خاصة بإنسان دون آخر « 1 » . ومن أبعاد الرجوع إلى العرف الشورى ، فإن حقيقة الشورى ليست استفتاء الناس في ثوابت الشريعة أو يجوز استفتاء الشعب في حرمة الخمر أو وجوب الفرائض ؟ انما هي في المتغيرات كالحرب والسلم ، ومناهج الاقتصاد مما يختلف عبر الظروف والعصور والأمصار ، ولعل قوله سبحانه في صفة المؤمنين ( وأمرهم شورى بينهم ) « 2 » يهدينا إلى أن الشورى تهم أمور المؤمنين وليس أمر الله . وحتى في أمور الناس الشورى تنقل إلى القيادة الرشيدة ، ( الخبرة ) التي تحدد ( مجال الحكم ) و ( موضوع القرار ) ، والقيادة الفقهية تستلهم ( الحكم ) الإلهي في ثوابت الشريعة أي من القيم العامة ومن النصوص الخاصة ، ويصدر الحكم وقضي بالفتوى . ويبدوا أن هذه الثنائية بين رؤية الناس ورأي الدين ، هي التي تحل أعقد لغز في القضية الدينية وايت جعلت النصارى يفصلون بينهما بقولهم مالله لله وما لقيصر لقيصر . أما القرآن فيقول : ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ) « 3 » ، ( لله الدين الخالص ) « 4 » ، ويقول : ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ، فإذا عزمت فتوكل على الله ، إن الله يحب المتوكلين ) « 5 » ، وبالتدبر في هذه الآية يتبين أن العزم والقرار النهائي بيد القيادة ، أما الشورى فيه تمهد للقرار ، أو تسهل تنفيذه . والرجوع إلى العرف ينسجم مع بصائر القرآن عن العقل ، وأنه نور إلهي يؤتيه من يشاء ، وعن الفطرة وأنها تتوافق ودين الله القويم . وقد تواترت آيات الكتاب التي تأمر بالرجوع إلى العرف واتخاذه ميزانا ، كما استفاضت الآيات التي تستشهد بعقول أولي الألباب وتحاكم الخصوم بهذا الميزان القويم .
هامش
( 1 ) - راجع في هذا الموضوع الأصول العامة للفقه المقارن / ص 422 - 423 والموافقات ج 2 / ص 85 . ( 2 ) - الشورى / 38 . ( 3 ) - يوسف / 40 . ( 4 ) - الزمر / 3 . ( 5 ) - آل عمران / 159 .