وأن الأنهار تجري من تحته . . ولكنه كان يُحاول القفز على الحقيقة المتجذِّرة في كل فطرة ، وهي أن الخالق هو الربُّ وليس غيره .
لقد استهدف موسى ( ع ) ، بعد أن تجاوز فرعون في خطابه ، وراح يستصرخ ضمائر الناس الحاضرين - أذهان الكافرين - ، ويكشف لهم أن سماواتٍ أخرى غير التي يرونها قد خلقهن الله تعالى ، وفي ذلك دعوة إلى الخروج على نطاق الرؤية المعروفة . كذلك دعاهم إلى الإيمان بأن الكون عبارة عن وحدة واحدة ، والكون يحوي السماوات والأرض وما بينهما ، وحيث كانت الحقائق مترابطة في وحدة واحدة ، وهي فقيرة - في حقيقة الأمر - إلى خالق واحد ، والخالق الواحد لابد أن يكون قادراً وقويًّا بما يفوق قدرة وقوَّة هذا الكون الكبير . . وحيث يثبت ذلك ، فأنَّى لفرعون - هذا البشر الضعيف المخلوق - أن يُنافس ذلك الواحد الأحد ؟ .
ولا ريب في أنَّ الآية عبارة عن تلخيص موجز للغاية واختزال شديد لمجمل الحوار الذي دار في قصر فرعون ، وإلَّا فإن من المُستبعد أن تكون جملةً واحدةً - وبهذا الاختزال الشديد - هي كل الحوار الذي جرى في ذلك المحفل ، وسعى النبي موسى من خلاله أن يخترق العقول والعواطف المتحجِّرة لفرعون والفرعونيين .
لقد كشف النبي موسى ( ع ) لفرعون وقومه أن المشكلة الأساسية تكمن في عقولهم ونفوسهم ، ولا شيء يحول دون إيمانهم إلَّا كونهم غير مُوقنين بالحقائق الوجودية . وهذا يعني أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في الأدلة والحجج ؛ فموسى ( ع ) - إذن - دعاهم إلى إصلاح أنفسهم قبل التمادي في الجدل والطغيان ؛ لأنَّ من يُصلح نفسه يتسنَّى له النظر إلى الحقائق ، ومن يعرف نفسه بعد إصلاحها يتهيَّأ له أن يعرف
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 85
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٨٥