الصفة الرابعة :
- وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
وهؤلاء على الضدِّ من أولئك المثقفين الذين يكتفون بالكلام عن العمل ، فهم لا يُرتِّبون على أقوالهم غير التفرُّج على الواقع ، والانتصار للحق بالكلام ، والتنفيس عن غضبهم بالحديث الفارغ .
كلَّا ؛ إنهم يُطبِّقون ما يقولون . لماذا ؟ .
لأنه مجرَّد أن يأمر الإنسان غيره بالمعروف لا يسقط عنه العمل به ، بل العكس هو الصحيح تماماً ؛ إذ مَنْ يأمر الناس بالمعروف ، عليه أن يبدأ من نفسه أولًا .
وهكذا هو شأن الأنبياء والأئمة والعلماء الربانيين ، كانوا قبل أن يتحدَّثوا إلى الناس قد بدؤوا بأنفسهم .
والمعروف إنّ أسمى درجات العمل هو الجهاد في سبيل الله ، وحيث يُورد الله قضية الانتصار من بعد التعرُّض للظلم ، فيعني أن هؤلاء المستثنَين قد استخدموا أقلامهم وألسنتهم وثقافتهم لمقاومة الظالمين ودحضهم ، والانتصار للمظلوم . بلى ؛ إنهم كانوا يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويُجاهدون في سبيل الله .
والجهاد يتبيّن عند التحدِّي ، حين يتقارع المظلوم والظالم . والمثقف الحقيقي هو الذي يجعل كلمته سلاحاً فعَّالًا في مواجهة الظالمين .
ولا ريب في أن هذه صفات عظيمة ؛ فليس من السهل أن يكون الشاعر الرسالي ملازماً للمظلوم ، هاجراً للظالم ، مقارعاً إياه . ولكن
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 567
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٦٧