ولعل التعبير بمفردة القرية إنما ورد استصغاراً لذلك التجمُّع البشري المتمرِّد على السُّنن الإلهية ، والمغرور بما له من الإمكانات .
2 - إِلّا لَها مُنْذِرُونَ
وإذا كانت سُنَّة العدل أحاطت بأولئك المتمرِّدين على نظام الخليقة ، فإنّ سُنَّة الرحمة الإلهية اقتضت إمهالهم وإنذارهم قبل حلول العذاب بهم . من هنا فإن ربَّنا الرحمن قبل أن يُهلك القرى بعث لها المنذرين وقيَّض لها الدعاة المرشدين ، سواء كانوا أنبياء ، أو أوصياء ، أو علماء ، أو مؤمنين ناطقين بالحق .
والمُنذر يختلف عن المُهدِّد ؛ فهذا الأخير يُلقي تحذيراً ويُهدِّد بالعقوبة من جانبه مباشرة على من لا يرعوي لتحذيره ، أما المُنذر فهو يُحذِّر من عاقبة التمادي في الخطأ .
أرأيت الطبيب حين ينصح مريضه كيف يُنذره بأنه ما لم يستعمل الحمية - مثلًا - فسوف يُحيط به الخطر ؟ .
ومن الملفت للنظر أنه تعالى لم يقل : وعليها منذرون . . وإنما قال : إِلّا لَها مُنْذِرُونَ ، إشارة قرآنية إلى أن إنذار المنذرين المبعوثين من جانب الله إنما هو لصالحهم وليس ضرراً عليهم .
بصائر وأحكام
ينبغي للإنسان أن يجتهد حتى يجعل حركته باتِّجاه النظام الكوني العادل وينتظم معه ، لأنه كائن ضمن مملكة الربِّ . وإلَّا فسوف يصطدم بذلك النظام الدقيق ويُصبح من الهالكين ، لولا أنّ ربَّنا سبحانه وبرحمته يبعث إلى الناس من يُنذرهم قبل أن يُحيط بهم الخطر ، أو يحلّ بواديهم العذاب العظيم .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 524
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٢٤