كيف ؟ . إّن قسماً من الناس تدفعهم العصبية إلى مخالفة الحق . صحيح إنّ العصبية قد تنفع ، ولكن شريطة أن يتَّخذها الإنسان ليخدم بها نفسه وقومه ، لا أن يُضرّ بها الآخرين . وهكذا كانت العصبية إذا تعدَّت حدَّها ، تحوَّلت إلى حاجز دون فهم الحقائق .
لماذا يعمد المرء إلى مخالفة الحق لمجرَّد أن فلاناً هو الداعي له والناطق به ، في الوقت الذي يُفترض به أن ينظر إلى ما يُقال وليس إلى من يقول . وبتعبير أكثر قسوة : إنّه مطالَب بأخذ الدرة - استعارةً عن الحقيقة - ولو كانت في فم كلب .
إنَّ العصبية تجعل كثيراً من الناس يجهلون الحق ، لمواقفهم المُسبقة من هذا الحق المتجسِّد تارة في فكرة ، أو مذهب ، أو شخص . ولربما تؤدِّي هذه المواقف المُسبقة بأصحابها إلى النار .
فالإنسان قد يطلب ماءً أو طعاماً لينتفع بهما ، ولكنه إذا أسرف في تناولهما ، صارا عدوين له . كذلك أمر العصبية التي يُراد لها أن تحمي القوم من عوادي الزمان ، فإذا تحوَّلت إلى منهج ذهني وفكري ، وحاجز أمام تعاون البشر بعضهم مع بعض ، فإنها سوف تُصبح أداة للتخلُّف ، وستنخر قدرة الإنسان .
وإذا درسنا التاريخ نجد أن أشد المصائب حلَّت بالبشرية بسبب التعصب الأعمى .
بصائر وأحكام
إن العصبية الحميدة هي التي يتَّخذها الإنسان وسيلةً لخدمة قومه ، أما إذا طغت العصبية وتعدَّت حدودها ، تحوَّلت إلى حاجز دون فهم الحقائق ، وحاجز دون تعاون البشر بعضهم مع بعض .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 504
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٠٤