أما مفردة النّاسَ فهي الأخرى عامة ومطلقة وتسع البشر جميعاً . فهي إذن معيار للعدالة العالمية .
وهذه الآية - وما قبلها ، وما بعدها ، وما حوت من مفردات - بلغت من الحكمة أوجها لدى الاستعمال ، لم تنزل لتُقرأ أو لتُثير الإعجاب فحسب ، وإنما ليُصلح الإنسان بها نفسه ، ويُقوِّم بها سلوكه ، فلا يكون مُطفِّفاً أبداً ؛ بمعنى ألَّا يكون بحيث يحب لنفسه أكثر مما يحب لغيره ، سواء في الأخذ أم في العطاء . أي : فلا يُحب أن يُعطي قليلًا والأقل مما عليه ، ولا يرغب بأخذ الكثير الزائد على حقِّه . فلا يَظلم ولا يُظلم .
إنّ بخس الناس أشياءهم يعني العبث في الأرض ومُقدَّراتها ، والعمل على تعطيل الاستقرار والحياة فيها ، والانتهاء إلى تسليط مظاهر الفساد بكافة أشكاله عليها .
في حين أن الإصلاح من المسؤوليات الأساسية لكل إنسان في الحياة الدنيا ، وإنّ من أبرز المفاسد التي تتعرَّض لها البشرية وقف الإصلاح .
ولعل البعض يركِّز فكره على ما يتَّصل بالأوامر من حديث كتاب ربِّنا سبحانه وتعالى ، دون أن يلتفت إلى المناهي فيه . في حين أن أساس القرآن بيان تلكم الجوانب ؛ أي بيان الشرك والفساد ، ومظاهرهما ، وأسبابهما . إذ الفساد عنوان كبير في الكتاب ، وقد تمحورت حوله الكثير من الأحكام الشرعية .
والسبب في الاهتمام القرآني بهذا المنحى ، أن الفساد ممارسة سلبية تناقض الفطرة الإلهية والسُّنَّة الربانية في الخلق . فالفساد تحريف للحقائق ، وقد قال تعالى : وَلا تُفْسِدُوا فِي اْلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 459
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٥٩