تكرَّر الحديث عنها في القرآن ، رغم أن الله تعالى حين يُحدِّثنا عن الجنس وعمَّا يتَّصل بالجنس يُحدِّثنا بإشارات ؛ صوناً للشرف والعفة ، وليس ثمّ بيان واضح إلَّا في هذه القصة ، لشدة القبح في فعل هؤلاء الشاذين .
وأما سبب ابتلائهم بالشذوذ ؛ فلعل ذلك تم بالأمور التالية :
الأمر الأول : قد يتعرَّض الإنسان لانهيار نفسي بسبب الأزمات النفسية الشديدة والمُعقَّدة ، ثم يصل إلى قناعة بانعدام الفرصة بالعودة إلى حالته الطبيعية ، فيلجأ إلى جلد الذات ومعاقبتها بتحميلها مزيداً من الانحراف ؛ مثل الشذوذ في مختلف أبعاد السلوك ، ومنها الجنس .
الأمر الثاني : لأنهم كانوا يقطنون مناطق شمال الجزيرة العربية ، فقد كانوا على مفترق طرق بين الشام وبين وسط وجنوب الجزيرة . فصاروا أشبه شيء بقطاع الطرق ، ولكنهم لم يهتموا بسرقة أموال التجار والمسافرين بقدر تكالبهم على اغتصاب أعراض الناس وشرفهم ، إذ كانوا يختارون من القوافل المارة شبابها لغرض اغتصابهم ، فكان أن بدأ شذوذهم ضد الغرباء ، حتى انتهى بهم الفساد الخلقي في أنفسهم ؛ بمعنى أن سهام ظلمهم عادت إليهم في نهاية المطاف ، ولعل ذلك كان وسيلة لقهر تلك القبائل .
الأمر الثالث والأهم : إن مَنْ ترك الاعتصام بحبل الله وهُداه وهُدى أنبيائه ، يقع في شرك الشيطان ، وليس في هذا الشرك غير الشذوذ بصورته الجنسية ، أو الاقتصادية ، أو الفكرية .
1 - أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ
ما يتبادر إلى الأذهان ، هو أن أولئك الذكران هم من أنفسهم وجماعتهم .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 418
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤١٨