مراحل عدة ، حتى هوت واندثرت بعد أن أُبيدت . فأهلها الأوَّلون بنوا حياتهم على أسس القيم الحضارية ، ولكن الذين جاؤوا من بعدهم أضاعوا تلك الأسس ، فضيّعوا مدنيّتهم ، فانتهت حضارتهم بسبب استعلائهم وطغيانهم ، من بعدما تحقَّقت لهم الرفاهية ، وتوافرت لهم النعم العديدة .
ولكن عندما بلغت ثمود تلك المرحلة ، وأصبحت على مشارف السقوط ، بعث الله إليهم الرسل ، وفي مقدمتهم نبي الله صالح ( ع ) فراح يُذكِّرهم بسُنن الله في أولاد آدم ، ويُنذرهم من عقبى التمادي في الغي ، كما يُرشدهم إلى طريق النجاة .
ومن أبعاد ذلك الإرشاد ، أنه أمرهم بألَّا يُطيعوا أمر المسرفين ( الطاغين المتكبرين ) والتحلِّي بشكر النعم .
ولكن المُسرفين استدبروا هذه الإرادة الإلهية ، وأسرفوا في انكبابهم على الدنيا وزُخرفها ، بدلًا من أن يشكروا ربَّهم المتعال على ما أنعم ، وبدلًا من أن يتعاملوا مع نعمه الظاهرة والباطنة تعاملًا منطقيًّا يدعو إليه العقل والرسول .
والإسراف هو استخدام النعمة في غير محلها المنطقي الذي يُريده الله تعالى ويرتضيه .
ولعل الذين سمّاهم الله تعالى بالمُسرفين ، ومَنَعَ الناس من اتِّباعهم وتقليدهم ، كانوا هم الذين طغوا في البلاد ، لاستشعارهم الاستغناء عن ربِّهم عزَّ وجلَّ ، لوفرة ما أنعم عليهم . فهؤلاء سنّوا لمجتمعهم أن يتَّخذ الأفراد عشيرتهم - مثلًا - مصدرَ عزَّةٍ ومِنعة من دون الله ، بدلًا من أن يستعينوا بها استعانة حقةً ، لتصريف شؤون الحياة الطبيعية . وهكذا كان موقفهم من المال ، والعمارة ، والسلاح .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 378
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٧٨