الثالثة : مرحلة الجُناة .
فَثَمَّ من يبني الحضارة ، وَمَنْ يرعى الحضارة ، ومَنْ يجني على الحضارة ويتسبَّب في هدمها .
أي : إن هناك جيلًا يبذلون الغالي والنفيس لبناء صرح حضارتهم الدينية ، أو الوطنية ، أو القومية ، أو . . أو . .
ثم يلي ذلك جيل يُثمِّن ما بذله أسلافهم من الجهود المُضنية لإيصال الرفاه والسؤدد إليهم ، فيهتمون بحفظ وصيانة ما وصل إليهم ، فهم رعاة الحضارة والمدنية .
ولكن جيلًا يلي هؤلاء - عادة - يطغى عليه الرفاه ، فينغمس فيما وصل إليه من الملذات والهناء . فيمارس دور المُترفين الذين يستهلكون ولا ينتجون ، ويأكلون ولا يعملون . فهم في الحقيقة يجنون على ما بناه أجدادهم ، وحافظ عليه آباؤهم .
ويبدو لي أن ثمودَ التي أُرسل إليها النبي صالح ( ع ) كانت من طراز الجيل الثالث الذي يتعرَّض لعذاب السماء عادةً ، حيث ينحرف عن المبادئ الأساسية للحضارة الإنسانية السليمة ، فيُسرف ، ويُغيّر ، ويبطش ، فيجني على واقعه وعلى التاريخ ، كجيل فرعون الذي غرق أفراده في لجج الإسراف ، والتكبّر ، والغرور .
وقد قال النبي صالح ( ع ) لثمود : إنّ لحضارتكم عوامل ، وها أنتم تكفرون بها ، وإنه لولا أن تشكروا الله ، وتمارسوا الصالح من الأعمال ، فسوف تزول عنكم نعمة الأمن بكافة أشكاله وأنماطه ، كنعمة الأمن العسكري ، أو النفسي ، أو الاقتصادي . فلا تتوقَّعوا أن يبقى لكم الأمن دون أن تُحقِّقوا شروطه وعوامل حفظه .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 368
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٦٨