مسار الاستكبار والاستعلاء ؟ . وكيف يأخذ بيد أفراده إلى خير الدنيا وسعادة الآخرة ؟ ! .
مما نستلهمه من هذه الآية الكريمة بالذات ، أن الطبقية ، والعنصرية ، وسائر الثقافات التي تُميِّز بين الإنسان والإنسان ، ليست بالعمل الصالح والتقوى . وهي إذا ما استشرت في الوسط الاجتماعي ، فإنها لن تتوقَّف عند حدّ ؛ إذ سوف تتسبب بتشظي الأمة المرة بعد المرة ، حتى تصل بالإنسان المفرد إلى الشعور الباطل بكونه متميزاً عن غيره ، اللهم إلَّا ضمن المقاسات المادية . فتراه يضطر إلى العيش ضمن زنزانة نفسه الأمَّارة بالسوء ، والعياذ بالله .
فمثلًا ؛ لو قلنا بأن المال هو المميِّز الحق للإنسان عن الإنسان ، وإن طبقة الأغنياء تختلف عن طبقة الفقراء ، تشظى المجتمع . كيف ؟ .
لأن الفقراء لن يكونوا بمستوى واحد ، وكذلك الأغنياء ليسوا بدرجة واحدة . فإذا الأغنياء يتمايزون فيما بينهم بنسبة ما يملكون ، فهناك الغني الغني ، وهناك الغني الفقير ، وهناك الغني الأغنى . . وهكذا تتشظى المستويات الاجتماعية ضمن هذا المقاس ، إذ تضيق وتضيق ، حتى يصل الأمر بالفرد أن يعيش في زنزانة نفسه . وبالتالي تكاد المشتركات تنعدم بين أفراد المجتمع .
بينما الدين هو أرقى قاسم ومقاس يمكن أن يتطلَّع إليه الإنسان ، لأنه هو الذي يأخذ بيد الإنسان والأمة إلى الوحدة الاندماجية ، ولا يُمكن لأي عامل آخر أن يُداني أو يُنافس عامل الدين ، وليس الدين غير تقوى الله تعالى ، وإطاعة النبي بما يأمر أو ينهى .
إن عالَم الاستعلاء يُقدِّس المادة ، ويخضع لكل من هو أقرب في حساباته إلى المادة المتجسدة في السلطة ، أو المال ، أو غير ذلك .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 297
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩٧