تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
تربو على سائر الأمم وتستعلي عليها ، وهذه الكارثة - بطبيعة الحال - تُعبِّر عن مشكلة إنسانية مُعقَّدة ، تعود في منشئها إلى وساوس الشيطان والنفس الأمارة بالسوء . ولا ريب في أن الثقافة القرآنية ترفض هذا المنحى من التفكير ، الذي يتعارض مع سُنن الله في الحياة ؛ إذ إن ربَّنا تبارك وتعالى قد عرَّف الفطرة الإنسانية جملة من القواعد التي تتناغم مع مسار الخير والسعادة ، إلَّا أن الوساوس الشيطانية ، والإملاءات النفسية ، هي التي تسعى إلى نسف تلكم القواعد الفطرية ، حتى إنها لتعمل على تحويل المعروف - وهو سبيل الخير والسعادة - إلى منكر - وهو سبيل الشر والشقاء - وكذلك تحويل المنكر معروفاً . لذلك نجد أنّ قوم نوح ( ع ) الذين اغتربوا عن مسار التقوى ، يعترضون - بلا حياء - على المساواة بين البشر ويُعاكسون الفطرة الإنسانية ، ويقولون له : كيف نؤمن لك ونحن الطبقة الاجتماعية الراقية ، بما لنا من إمكانات مالية ، وسطوة ، ونفوذ ، وقد انخرط إلى دعوتك فقراء لا يُعدّون رقماً في الوسط الاجتماعي ؟ . وهم غافلون عن أنّ حياتهم - بالرغم من دعاوي الأرجحية على غيرهم - لا تخلو من مشاكل وأزمات . ولو كان من المقرَّر أن يترك النبي طائفة من الناس بداعي مشاكلهم وتاريخهم ، لكان حقًّا عليه أن يتركهم هم أيضاً ، إذ لا فرق بين جميع الشرائح من حيث المعاناة والتعرُّض للأزمات . إن الطبقية التي نادى بها أولئك الملأ ( الذين كانوا يملؤون الأعين لغناهم ، وسطوتهم ، ولتأييد أشباه العلماء لهم ) ربما كانت قومية ، أو عنصرية ، أو اقتصادية . وهي قد تتبلور داخل مجتمع