إنّ بعض البشر يظنون أنهم بمجرَّد إنكارهم الحق ، يُصبح الحق باطلًا . بينما الصدق هو أن الحق يبقى حقًّا وإن تكاثر عليه المبطلون . بل إن على من ينكر الحق عقابين ؛ عقاباً لإنكار الحق ، وعقاباً لعدم العمل به . كمن يُنكر حتمية الآخرة ، وحقيقة مثوله يومئذ للحساب العسير ، ثم تراه يتصوَّر أن الآخرة لن تقع فعلًا ، وأنه سيكون في منجىً من الموقف الإلهي العتيد بمجرد إنكاره لها . في حين أنها واقعة لا محالة ، صَدَّق مَنْ صَدَّق ، وأنكر من أنكر .
ولذلك ؛ فإن الجحيم ستُبرَّز لإرغام أنوف الجاحدين ، الذين طالما حاولوا إخفاءَها في طوايا أنفسهم التي استيقنتها ، ولكنهم كانوا قد أرادوا في الحياة الدنيا تغطية ضمائرهم أن تُمسّ بكلام حق يصلحهم .
ثم إن الجحيم ستُبرَّز لهم ، وتظهر للغاوين العاكفين على الالتصاق بالانخداع ، لأن مقاييس الدنيا فيها الكثير مما يتفاوت مع مقاييس الآخرة . فحيث إننا نعيش في هذه الدنيا مغيَّبين عن كثير من الحقائق والأسرار ، إلَّا أن الواقع الأخروي سيشهد حالةً من المكاشفة التامة . فإذا كان ابن آدم يرغب في إخفاء مساوئه مثلًا ، فإنه سيرى بأم عينيه ويشهد ما هو انعكاس تام لتلكم المساوئ ، ألا وهي نار الجحيم المستعرة .
وإذا كان قد أكل مال اليتيم في حياته - مثلًا - فإنه سوف يشعر - شعوراً جديًّا - بالنار التي تدخل بطنه في قعر الجحيم . بل إن جميع خطاياه الدنيوية ستتمثل له في يوم القيامة بكل وضوح ، رجلًا قبيح المنظر ، نتن الرائحة ، شريراً ، يسوقه إلى الجحيم ، ولن يتركه حتى يدخل معه إلى حضيض النار .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 250
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥٠