أنها نتيجة الظروف المحيطة بابن آدم ؟ .
لا ندري ، ولعل ثمة عوامل شتى ، ولكنه في النهاية تعبير عن رغبة الإنسان في تقمُّص دور الإله ذي القول الفصل في كل شيء . فترى هذا الإنسان يتصوَّر أن ما يقول به ويرتئيه هو الحق . بل قد تراه يقول شيئاً ، ويحكم حكماً ، ويظن أن الله عزَّ وجلَّ سوف يُوافقه القول ، ويُؤيِّده في الحكم . فكأنه قد أبرم عقداً مع الله سبحانه بهذا الخصوص .
ولكنه في خضمّ ذلك ، يغفل أو يتغافل عن الحقيقة الهامة بأن الاعتراف بالخطأ فضيلة ، هذا الاعتراف المبني أساساً على حب الحقيقة ، والرغبة في التعرُّف إليها ، وعلى ما لدى المعترف من شجاعة ورجاحة عقل .
والسؤال : كيف نتخلَّص من هذا الداء الوبيل ؟ .
إنما يمكن ذلك عبر تذكُّر الآخرة وتفاصيلها . إذ يتأكَّد له أن ما ينطق به من قول ، وما يقوم به من فعل سوف يراه يوم القيامة ، وسوف يُحاسَب عليه حساباً دقيقاً .
وهذا التذكُّر يدعوه دوماً إلى مراجعة الذات ، ومِنْ ثَمّ محاسبتها بنفسه ، قبل أن يُوقَف عند الميزان للحساب .
أقول : إن مراجعة الذات ، ومحاسبتها على ما يصدر منها ، تُترجم وتعكس حدوث تحوُّل عميق ، وانقلاب جذري في الذات . . بين ذاك الإنسان الذي يجعل من نفسه ميزاناً ، وبين الآخر الذي يجعل الحق ميزاناً ، وهو شيء آخر بعيد عن أهوائه النفسية ، وضلالاته الفكرية ، لئلا يقع صريع الغواية والإغواء .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 249
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٤٩