تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
الإنسان ولم يَسْقِهِ للفترة الأولى من حياته ثم بدا له أن يتركه لشأنه ، أو يَكِلَ أمر رعايته والتلطُّف به إلى غيره . فالله تبارك وتعالى شاء أن يكون عطاؤه للمخلوق متواصلًا متَّسقاً . فما دام المخلوق مخلوقاً ، فهو محتاج إلى خالقه . وحيث وردت ياء النسبة على الفعل المضارع يُطْعِمُني وَيَسْقينِ ، فإن من معاني ذلك أنه - تبارك اسمه - مُتوجِّه إلى كل فردٍ فردٍ من أفراد مخلوقيه ؛ أي إنه سبحانه لا ينظر برحمته وبركته إلى أمة من الأمم نظرة إجمالية فقط ، وإنما يُنعم على كل فرد من أفرادها على وجه التحديد . وهذه الحقيقة الإلهية تفرض على الإنسان أن يعزو كل نعمة تصل إليه إلى الله الخالق المنعم ، حتى وإن توالت عليها الأيدي قبل وصولها إليه ؛ لأن المنعم الحقيقي هو الله الخالق تبارك وتعالى . أما الأيدي التي تراتبت على النعمة ، كالفلَّاح بالنسبة إلى الطعام ، أو الخياط بالنسبة إلى اللباس ، أو الطبيب بالنسبة إلى الصحة ، وغير ذلك من أمثال النعم ، فما هي إلَّا وسائل شاء الله تعالى أن تمرّ بها النعم حتى تصل إلى الإنسان ، لتتشابك العلاقات الإنسانية ، وتؤطَّر بإطار الحاجة المتبادلة فيضمن العيش والحياة الطبيعية في المجتمع الإنساني . وآية ذلك أن الجميع محتاجون إلى غيرهم ، ولما كانوا محتاجين ، فالنعم - إذن - تصلهم من مصدر خارج عن دائرتهم الإنسانية و ( المخلوقية ) وإلَّا فإن كفًّا مخلوقةً تُعطى ، كيف تُعطي ؟ . وتتجلَّى حاجة الإنسان إلى الطعام والشراب - أكثر ما تتجلَّى - حينما يفقد من يُوصل إليه الطعام أو الشراب ، فتراه إذ يُشرف على الموت في ساعات الشدَّة ، يتعلَّق بالله عزَّ وجلَّ ويرجوه نعمة الشراب أو الطعام بشكل مباشر ، بعد أن يُخرج عن دائرة ذهنه جميع الوسائل