ولكن لماذا ؟ . هل ليُسكن الإسرائيليين في مصر بدلًا عنهم ، أم ليُبقي أرض مصر فارغة من السكّان ؟ .
لم يجد فرعون إجابات شافية لهذه التساؤلات ، لا سيما وأنه على علم مسبق بأنه سيفشل سلفاً مهما أجاب . فموسى أساساً طالبه - في أول المواجهة - بتحرير بني إسرائيل ، وإرسالهم معه ليُهاجر بهم إلى أرض الله الواسعة ، إذ لا معنى لاستعبادهم ، ولا مجال لبقائهم في مصر في ظل العنصرية المقيتة التي بلغت أقصى حدودها تحت ظل النظام السياسي الحاكم آنذاك .
بلى ؛ إن غاية فرعون من اتِّهامه الجديد لموسى ( ع ) - وهو من جملة تخبطاته المتوالية التي فضحت السلطة الفرعونية ، وأماطت اللثام عن خوائه العريض - أن يُحوِّل دفة المواجهة الحامية بينه وبين هذا النبي الحكيم ، إلى مواجهة بين النبي موسى والناس ، ليجعلهم أعداء له ، وكأن دعوة موسى ( ع ) موجَّهة إليهم دون السلطة ورمزها الحاكم . . في حين أن رسالة موسى وهارون عليهما السلام ، كانت موجَّهة - بالدرجة الأولى - إلى فرعون نفسه ، وذلك حيث أمرهم الله تعالى بقوله العزيز : اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 43 ) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى « 1 » .
وهذا الاتهام إنما يُجسِّد حلقة من حلقات الاحتيال الفكري والإعلامي الذي تعتمده دوائر السلطة والطغيان ضدَّ رافعي راية الهدى من جهة ، وضدَّ الرأي الاجتماعي العام . لتحويل أفراده إلى مجرد ضحايا يومية ، دورها الحفاظ على سلامة السلطة والسلطان . . وإن عملية غسل الأدمغة من شأنها تخطئة الصحيح وتصحيح الخطأ ؛ أي تصوير المنكر معروفاً والمعروف منكراً . . . وإلى هنا ؛ تمكَّن فرعون من
هامش
( 1 ) سورة طه ، آية : 43 - 44 .