أي : ظلمات الجهل والغفلة . . فيُوفِّقهم إلى نور الهدى . وإن تحقُّق الفطرة البشرية الداعية إلى الهدى ، وكذلك توفّرالدعوة النبوية ، لا تُعفيان الإنسان من المسؤولية ؛ لأنه مسؤول أولًا عن الاستماع للدعوة تبعاً لما غُرِسَ فيه من الإحساس بضرورة الابتعاد عن الخطر ، وهو أيضاً مُكلَّف بالاستجابة للدعوة بعد الاستماع لها ، لا سيما حين يجدها دعوة متلائمة مع الفطرة والعقل ، وكذلك هو مُلزم بالمحافظة على الهداية إذا بلغها ، فلا يتركها تضيع في ظلمات الهوى والشهوة والوساوس . . أي عليه أن يُقاوم بعد اهتدائه من قبل الله ، لا سيما وأن الله لا شك سيمتحنه بوتيرة متصاعدة .
وهناك من يُؤمن ولكنه لا يدفع ثمن الإيمان . كلَّا لا بد من دفع ثمن الجنة في الدنيا ، والثمن ليس سوى الوعي والهداية والاستقامة على الطريق . وهذا قانون رباني ثابت ؛ إذ لا يُخدع الله عن جنته . قال ربنا سبحانه عن مثل هؤلاء :
1 - وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ عَلى حَرْفٍ
والحرف هو جانب الشيء وطرفه . . أي أن من الناس من يحب أن يكون في الحاشية دون المركز . إنه يتجنَّب الاضطلاع بمسؤوليات المجتمع المؤمن ، وفي الوقت ذاته لا يُريد أن يُحسب مع الكفار ، فهو يبقى في الطرف حتى يتهرَّب من المسؤولية مع أي طرف .
2 - فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ
لأنه ليس إلَّا عبداً للدنيا ، ولا يفهم من الدين سوى كلمات يُردِّدها على طرف لسانه فقط . . فهو إذاً لا يتعامل إلَّا مع ظواهر الأمور .
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 60
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٦٠