تفصيل القول
تتحدَّث هذه الآية الكريمة عن قضية مهمة وحساسة جدًّا وهي أن بعثة الأنبياء والرسل إنما تتمخَّض بعد عملية اصطفاء وانتخاب . كما يتم اصطفاء الملائكة واختيارهم من جانب الله تبارك وتعالى لإرسالهم في مهمات وتكليفهم بواجبات .
ومن المعلوم أن أفعال الله تعالى قائمة على أساس العدل والحكمة . . وبالتالي فإن بعثة الأنبياء وتعيينهم قادة للبشر وجعلهم حجج الله في أرضه ، يتبع حكمة بالغة . . ومن لوازم هذه الحكمة الربانية أنه تعالى يهب صفة العصمة والتسديد الدائم لأولئك المرسلين . فلا يصح إذاً نسبة الخطأ إليهم ؛ لأن ذلك ينتهي إلى نسبة الخطأ إلى الرَّبِّ سبحانه حيث اختارهم . فهو تعالى إذا كان لا يبعث ملكاً لإيصال الوحي ، ولا يُكلِّف ملكاً من الملائكة بأداء مهمة ما إلَّا بعد تمريره في ممر الاصطفاء ، رغم أنهم مخلوقون مُجرَّدون عن الشهوات ، فلا يتوقع منهم ممارسة الذنب والخطأ . . فلا بد وهذي الحال أن يكون اختيار شخص من بين البشر لمنزلة النبوة الأكثر أهمية لا يتم إلَّا بعد الاصطفاء أيضاً .
ويمكن القول بأن اصطفاء بشر خاصين ليكونوا رسلًا للناس من جانب الله تبارك وتعالى منبثق عن قاعدة الرحمة الإلهية الواسعة ، لأنها تهدف بيان شريعته التي هي رحمة كبرى ، وهذه الرحمة تتكامل مع الفطرة التي جعلها الله تعالى للإنسان ليتوجَّه بها إليهم وإليه سبحانه بعد أن يُقدِّره حق قدره .
فكما أنه سبحانه وتعالى غرز في ابن آدم حب الحياة - مثلًا - وحب المحافظة عليها ، كذلك أعطاه منهجاً ينتهي إلى تكريس الحياة
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 313
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣١٣