والوحي لا شك غيب من الغيوب ، ونحن نعلم - ضمن المُسلَّمات الدينية - أن القرآن الكريم كان نصًّا غيبيًّا مخزوناً في اللوح المحفوظ ، ثم أنزله تبارك وتعالى على قلب الحبيب المصطفى نصًّا ظاهراً ومعنىً باطناً . . وكما أن الرسول الأعظم ( ص ) كان مأموراً بأن لا يعجل بتلاوته والإفصاح عنه لحين وقته حيث يقضى إليه وحيه ، تبعاً لإرادة الله وحكمة الإبلاغ ؛ كذلك فإن الرسول الأكرم ( ص ) ، لم يُؤاتهِ أن يُوضِّح كل معاني وغيب القرآن في فترة حياته الكريمة . . فأوكل - بأمر الله تعالى أيضاً - تبيين آفاق القرآن المجيد إلى الأئمة من بعده ، باعتبارهم موضع سرّ الله وخزنة علمه والأمناء على معالمه . . فترى النبي ( ص ) قال في الحديث المتواتر :
أَنَا مَدِيْنَةُ العِلْمِ وَعَلِيُّ بَابُهَا
« 1 » . وهو لم يقل ذلك محاباةً لابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) القائل :
سَلُوْنِيْ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُوْنِيْ
« 2 » .
وهذه هي حال الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) الذين خلفوا عليًّا أمير المؤمنين ( ع ) ، وهذه أبواب العلم التي فتحها الرَّبُّ سبحانه لعباده ، ولكن كثيراً منهم تجاهلوها فحرموا أنفسهم من العلم .
1 - وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ
إذاً ربُّنا سبحانه قد فتح للبشر أبواب العلم ، ودلَّهم على سبل العروج إليه ، ووفَّر لهم فرصة الرُّقي إلى رضوانه ، ولكنهم أهملوا فولجوا أبواباً أخرى وأشركوا بالله ما لم يعلموا . وهذا معنى عبادة ما لم يُنزِّل الله به سلطاناً وهو عبادة الله بغير علم ، وهذا هو الظلم الكبير . ولكن لماذا اتَّخذ الظالمون ولائج من دون الله ؟ ففيما يلي بعض التفصيل .
أولًا : إن غرور الإنسان بسبب جهله أو غفلته ، أو بسبب أنانيته ، أو
هامش
( 1 ) الخصال ، الشيخ الصدوق ، ص 574 .
( 2 ) نهج البلاغة ، خطبة رقم 189 .