الثاني بصورة كلية .
فقد زوَّد الله البشر بالفطرة والعقل ، وأيَّد عقله بالعلم . وفي قبال كل هذه ابتلاه بالهوى والجهل .
وثمة مفارقة ؛ فالصعود إلى ذروة العقل لن يتحقق من دون شد عزمات القلب ، وتنمية حوافز الإرادة ، واستثارة ركائز الفطرة . في حين أن السقوط يتم بمجرد الاسترسال مع الهوى ، والانقياد للجهل .
من هنا فإن من يبتعد عن مصدر النور والهدى ، يقع في ظلمات الجهل . كما أن الابتعاد عن الله يُقرِّب الإنسان من الشيطان ويُكرِّس اتِّباع ثقافته ، فتتراكم فيه وساوسه حتى تتحوَّل لديه إلى مرتكزات ذهنية ، حتى تراه يُفكِّر بها ويبصر ويسمع ويمشي بها . لذلك ترى هذا النموذج يستنكر بكل وقاحة على ذوي الهدى هداهم ، وعلى أهل الحق حقهم ، فيتحوَّل لديه الحق باطلًا والباطل حقًّا .
وحيث يعجز المرء عن التخلُّص من تراكمات الهوى ووساوس الشيطان في نفسه ، تراه يُجادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فيواجه ربه بكل وقاحة ، فيجادل بما أُوتي من قوة ، والشيطان يضاعف جهده لتكريس إضلاله . . وقد كُتِبَ عليه أنه من تولاه فإنه يضله حتى يسوقه إلى سواء السعير .
ويبقى ابن آدم بين هذا وذاك في أشد الحاجة إلى هزة ضمير وانتفاضة وجدان حتى يتحدى تراكمات الهوى ، وليخرج عن نطاق ما اعتاد عليه من الأخطاء والشبهات ، فيتوب إلى ربه توبة نصوحاً ويؤوب إليه مآباً ، وذلك في شريعة مثل شريعة الحج العظيمة وما فيها من مناسك توفر للإنسان بمجموعها محطة تفكُّر ، ومنطلق ثورة ،
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 26
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٦