وحيث يتأكد لنا أن لله آية في كل شيء ، ننتهي إلى معرفة أن ربَّنا هو المُهيمن على كل شيء ، وبالتالي فهو الحق الثابت ، ودونه المُتغيِّر والزائل .
إن علامات الضعف والمحدودية ، ( زماناً ومكاناً وقوةً و . . ) ظاهرة في كل شيء ، كما هي آيات الحكمة البالغة . وهكذا يُصبح التأمُّل في كل شيء وسيلة لمعرفة الرَّبِّ مباشرة وملامسة أسمائه الحسنى .
إن مقادير الخلق بيد الله تعالى ، لأنه الحق الثابت ، وكل شيء يبطل إلَّا وجهه الكريم ، وإنما وجهه ما يتصل به من قيم وحقائق وأشخاص ، وهي ثابتة قائمة ما دامت مُتصلة به سبحانه .
نعم ؛ إن من حكمة الله في عباده أنه تبارك اسمه خلق الخلق وأودعه آياته . كما خلق الإنسان وأودعه عقلًا فشرَّفه وأكرمه وفضَّله ، ثم أمره بأن يتدبَّر في آياته في الخلق ، لكي يزداد معرفةً بربه بوجوه المعرفة . . ومن أبرز مصاديق المعرفة بالله أنه تعالى هو الحق الثابت ، وأن ما يدعو الكفار والمنافقون والقاسية قلوبهم واللاهثون وراء الهوى محكوم بالزوال منذ البداية ، بل إن بدايته دليل فنائه ، لا سيما وأنه قد اتَّصل بالباطل والشر . ومهما تَصَوَّرَ الباطل والشر بصورالقوة والجبروت ، فإن الله يبقى هوالعلي الكبير بأجلى وأبهى وأقدس مظاهره ، ولا يُمكن أن يستهوي المؤمن صورة غير صورته ، ذلك لأن علو الله وكبره غير محدودين بحدود :
2 - أَنَّ اللّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبيرُ
وعلى عكسه مَنْ هو دون الله تعالى . أرأيت الجبل ؟ فهو مهما كان شاهقاً ، يبقى جاثماً أسفل السحاب ، ومهما تعالى النجم يبقى مُتحرِّكاً
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 255
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥٥