تفصيل القول
حيث يُظلم الإنسان ، فيُضطَّر إلى الهجرة . . فيُعاني ما يُعاني ، ثم يعود ، ثم يُعاقِب ظالمه بمثل ما عاقبه هذا الظالم واعتدى عليه ، ولكن الظالم يبغي عليه ؛ أي على هذا المظلوم المهجَّر . . هذه الصورة واقعية تتكرَّر دوماً ، ولكن الله تعالى يَعِدُ المظلوم الذي يتعرَّض للبغي بالنصر ، بعد أن يُقنعه بضرورة التزام طريق العفو والمغفرة . لماذا ؟
لأنّ كثيراً من الاعتداء الذي يقع بين الناس يجري بسبب الخوف من الاعتداء من قبل الطرف الآخر ، ولكن عندما يطمئن المؤمن إلى نصر الله له فهو لا يقوم بمثل هذا الاعتداء .
ولكن كيف لهذا المظلوم أن يَتَلمَّس الضمانة لاستحقاق النصر ؟ بمعنى : كيف له أن يجد تجلِّياً ظاهراً لقوة الله وقدرته ؟ نجد الجواب في الآية الكريمة : ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللّهَ سَميعٌ بَصيرٌ .
إنه سبحانه يضرب له مثلًا ظاهراً من هيمنة الرَّبِّ للزمان وتحوُّلات الليل والنهار ، حيث يُهيمن على ظاهرتي الليل والنهار ، فيُولج أحدهما في الآخر ، ويُعيد العملية تارةً بعد تارة ، بما يتضمَّنان من منظومة عظيمة من الأنظمة الدقيقة . . ليُؤكِّد للمظلوم المبغي عليه بأن من كان قادراً على الهيمنة على حركة الأجرام الكبيرة مثل الأرض والشمس ، وما فيهما من الحركة والاستقرار وغير ذلك ، لقادر على أن ينصره كل النصر ، وأن يخذل عدوه كل الخذلان ؛ لأن كل الأمور عائدة إليه بدءاً وعوداً ، أزلًا وأبداً . . فلا مبرر للإنسان المظلوم أن يشك في حتمية النصر ؛ لأنه صادر عمن يحكم بقدرة مطلقة آفاق الزمان
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 251
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥١