الإنسان المسلم حيث يُواجه ظرفاً صعباً يعجز معه عن إقامة الشعائر الإلهية ، ويشق عليه الالتزام بالأحكام الشرعية ، فإنه يقف حينها أمام ثلاثة خيارات : إما الهجرة ، وإما التقية ، وإما الصبر على البلاء .
وتحت طائلة عدم التعادل الذي قد يحدث بين بطش القوة الحاكمة ، وبين إمكانات المعارضة ، يبرز خيار الهجرة خياراً معقولًا ومنطقيًّا . هذا أولًا .
وثانياً : إن الهجرة ينبغي أن تكون هجرة في سبيل الله تعالى ، دون استهداف المصالح الشخصية .
وثالثاً : إن الهجرة يُمكن أن تأخذ طابعاً جمعيًّا ، مما يزيد من تعقيداتها وصعوباتها . . ولعلها تكون في حالات مُعيَّنة أشد على المهاجر من القتل ، الذي يُفترض أن يكون مرحلة نهائية في جهاد المؤمن ، إذ تتضمَّن الهجرة الكثير من المشاكل مثل الغربة والجوع والفقر والإذلال .
ورابعاً : إن الهجرة ليست بالسلوك النادر أو الجديد ؛ لأن كثيراً من الأنبياء ( عليهم السلام ) قد هاجروا ، وكذلك الأئمة ( عليهم السلام ) ، كما العلماء أيضاً ، وذلك خلاصاً من الظلم والاضطهاد ، واستعداداً لتحرير البلاد والعباد من الظلم والاضطهاد .
وهناك بُعدٌ آخر ، يُمكن معالجته ضمن موضوع قيمة الهجرة ، وهو أن الحديث قد يتناول الشخص المهاجر وحده ، وقد يتناول المهاجر وتياره . . إذ التيار المهاجر لا بد أنه سيعود يوماً إلى وطنه منتصراً بإذن الله تعالى ، وهذا ما وعد الله به عباده الصالحين . ولا فرق بين أمة وأمة ، ومكان ومكان . . أما الشخص فقد يموت أو يُقتل في دار الغربة ،
بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 241
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٤١