تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بينات من فقه القرآن (سورة الحج) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
ومخلوقه ، فمهما تمرَّد العبد على قانون سيده ، يبقى قاصراً كل القصور عن أن يتصوَّر بأنّ تمرُّده هذا سيبلغ به أبد الدهر ؛ لأن عمر العبد محدود ، ولأنه لا قيمة للدهر الدنيوي في حسابات الله تعالى ، حتى الحسابات التي يضربها لعبده مثالًا ، بناءً على محدودية أفقه ، ومن هو الذي يطمح إلى العيش ألف سنة في نطاق الكفر والعصيان إذا كانت الألف سنة مجرد يوم عند الله ، هذا إن قُدِّر له العيش طيلة هذه الفترة بكامل قوته وبكل إمكاناته . . والحال أن أعظم إمكانات ابن آدم لا يسعها إلَّا الاستسلام أمام أضعف جنود الله . ثم إنه ليس من الصحيح أن نُصوِّر الأمور ضمن الزمن الدنيوي ؛ لأن من أهم المؤشرات الإيمانية هو إلغاء الزمن ، كمن يلغي الزمن بينه وبين لحظة الموت ليعيش حالة رائعة من التقوى تمنعه عن الانقياد إلى هواه وشيطانه . ولعل أفضل ما يُمكن التعبير به عن أمر إلغاء الزمن كلمة الصبر الذي عدَّه أهل البيت ( عليهم السلام ) من دعائم الإيمان وأركانه . ومن ناحية أخرى ، نجد أن اللحظة القصيرة التي قد لا نحسب لها حساباً ، بل قد نعجز عن تصور حقارتها في الحساب الإلهي الذي عَبَّرت عنه الآية الكريمة بأنَّ ألف سنة هي بمثابة يوم واحد عند الله ، إنّ هذه اللحظة قد تختزل في طياتها خلق الله لمساحات عظيمة جدًّا بالنسبة لنا في هذا الكون الفسيح ، وفي تلك المساحات أجرام سماوية مترامية الأطراف ، أو لعله عز وجل قد أقام قيامة عوالم بأكملها نحن في جهل تام بواقعها وحقائقها . إن الزمن الذي ما هو إلَّا عبارة عن تلاحق الحوادث ؛ إنما هو حالة لدينا ، أما في ملكوت الرَّبِّ فإن واقع الخلود لا يتأثر بشيء ؛ لأن الله سبحانه فوق كل خلق ، ومن ضمن هذا الخلق هو الزمن .