ولو بعد حين من عمله ، وذلك مثل ان يفقد الفرد اعصابه امام شهوة عارمة فيجترح الفاحشة ، أو امام غضبه فيرتكب الجريمة . . ثم يعود اليه رشده فيأخذ بملامة نفسة من سوء ما عمله ! وجاء ذكر النفس اللوامة في القرآن في الآية التالية ، فقال تعالى :
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلآ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ( القيامة / 1 - 2 )
والحكمة هي العقل العملي الذي يقوم حجة بين الناس وحجة من الله على الناس ، وهو الرسول الباطن الذي يحتكم اليه أهل الشرائع السماوية بعد أنبيائهم ، والذي جاءت الشرائع مذكرة به ، ومنبهة له ومثيرة لدفائنه وخباياه .
واتبع القرآن الحكيم وسيلة التذكير لايقاظ هذا العقل في الإنسان ليجعل منه - دون الخرافات - مقياساً في أفكاره واعماله . وفي الحديث التالي المأثور عن الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) دراسة وافية للهدف والوسيلة اللذين مارسهما القرآن في إثارة العقل العملي ، ودعوة الإنسان اليه :
قال الإمام الكاظم - مخاطباً أحد أصحابه - : يا هشام ؛ ان الله بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال : فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ الله وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُولُواْ الالْبَابِ ( الزمر / 17 - 18 )
يا هشام ؛ ان الله تعالى أكمل على الناس الحجج بالعقول ونصر النبيين بالبيان ، ودلهم على ربوبيته بالإله فقال : وإِلَهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنْزَلَ الله مِنَ السَّمآءِ مِن مَآءٍ
بحوث في القرآن الحكيم — صفحة 104
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٤