خلق ما في الأرض للإنسان ، فلأي شي ء خلق الإنسان نفسه ؟ ألم يجعل الأرض مهاداً ، والجبال أوتاداً ، بل وجعل في ذات الإنسان ما يدل على بديع الصنع ، وبالغ الحكمة ؟ لقد خلقنا أزواجاً ، وجعل لنا النوم استراحة عن العمل ، وجعل الليل لنا ستراً والنهار معاشاً للنشاط والحركة ( الآيات : 6 - 11 ) .
أما السماء فقد جعلها سقفاً محفوظاً بسبع طبقات شداد ، وعلَّق فيها لأهل الأرض سراجاً وهاجاً ، ثم أنزل منها ماءً متواصلًا مندفعاً ، ثم جعل هذا النظام مترابطاً ببعضه ، فأنبت من الأرض حَبَّا ونباتاً ، وجنات ألفافاً ( الآيات : 12 - 16 ) .
كل ذلك من أجل الإنسان ، والإنسان من أجل المسؤولية ، ولكي يقدم للمحاكمة غداً في يوم الفصل الذي كان ميقاتاً للحساب ، يوم ينفخ في الصور فتَوافد الخلائق أفواجا أفواجاً . أمّا السماء فإنها تتحول إلى أبواب لتنزل الملائكة بالعذاب أو الثواب . أما الجبال التي أَكَنَّتْ البشر فتكون سراباً ( الآيات : 17 - 20 ) .
هنالك الحساب ، فبينما يساق الطغاة إلى جهنم ليبقوا فيها أحقاباً بلا برد ولا شراب ، تجد المتقين في مفاز ، حيث يدخلون الجنة ليتمتعوا بنعيمها وأمنها وخلودها . وهذا وذاك يكون تجسيداً لمسؤوليتهم في الدنيا ، وجزاءً وفاقاً لأعمالهم ( الآيات : 21 - 36 ) .
ترى هل وراء ذلك اليوم الرهيب أمر آخر ؟ بلى ؛ . هناك ما هو أخطر منه . . إنه النار أو الجنة .
أَو ليست جهنم مرصاداً للطاغين ، والجنة مفازة كريمة للمؤمنين ؟ .
إن الطغاة تغافلوا عن السنة الإلهية والقانون الرباني ، ثم كفروا بكل الحقائق ، ومن ثم التحذيرات السماوية ، ووعى المتقون السنة ففازوا بالجنة وأمنها وسلامها .
وتختم السورة بتصوير مشهد من مشاهد القيامة ، حيث يقوم الروح والملائكة صفًّا لا يتكلمون ، ويذكرنا ربنا بأن فرصة الاختيار السليم لا تزال قائمة ، فقد أنذرنا عذاباً قريباً ، يوم يرى المرء أعماله التي قدَّمها متجسدة أمامه . أماالمؤمن فيفرح بها ، وأما الكافر فيقول : يا ليتني كنت ترابا ، ولم أُقدِّم مثل هذه الأعمال أو أتحمل تلك المسؤوليات ( الآيات : 37 - 40 ) .
مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 291
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩١