تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
بل يدعونا إلى الاعتبار بعاقبة المجرمين الآخرين بعد الأولين . فإن المتفكر في هذا الأمر يهتدي إلى واقعية سُنَّة الجزاء ، وذلك بدوره يهديه إلى واقعية الآخرة باعتبارها التجلي الأعظم والأشمل لها في واقع الحياة ف - وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبينَ ( الآيات : 16 - 19 ) . ويربط القرآن بين خلقة الإنسان وبين حقيقة الآخرة ، وذلك أن خلقته بما فيها من أطوار وتقديرات تكشف عن حكمةالخالق ؛ وأنه لم يخلق الخلق عبثاً ، ولن يتركهم سدى ، والتي لا تكتمل من دون الإيمان بالآخرة التي هي عنوان الحكمة الإلهية ، ومنتهى الإنسان وغايته التي تقتضيها تلك الحكمة ، كما تقتضي العذاب الأليم للمكذبين بالحق ( الآيات : 20 - 24 ) . ومن رحلة الإنسان في آفاق نفسه ينطلق به السياق إلى آفاق الكون من حوله بموجوداته وظواهره ، حيث جعل الله الأرض كفاتاً تضمه حياً وميتاً ، وجعل فيها جبالًا راسية بأصولها في الأرض ، شامخة بقممها في آفاق السماء ، وسقانا منها ماءً فراتاً سائغاً للشاربين ، وكل ذلك آيات لحكمة الله ، وعلامات تهدي إلى ذلك اليوم ، فالويل للمكذبين به ( الآيات : 25 - 28 ) . ولقطع دابر التبرير والكيد ، اللذين يتخذهما المكذِّبون وسيلة لتكذيبهم ، يصور السياق عاقبة المكذِّب ، إذ يأتي النداء الإلهي إلى المكذبين في حال تكاد الحسرة تهلكهم لولا مشيئته تعالى ؛ يقال لهم : انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( يعني جهنم وعذابها ) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذي ثَلاثِ شُعَبٍ ( وحيث النار ، وما أدراك ما هي النار ؟ ) إِنَّها تَرْمي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ( 32 ) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ فويل يومئذ للمكذبين من غضب الله وعذابه ( الآيات : 29 - 34 ) . وهنالك تنطق الحجة البالغة لله ، ولا ينطق المكذبون باعتبارهم مُلْجَمَين بالحجج من جهة ، وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ من جهة أخرى ، وكفى بهذا عذابا مهينا لهم بين يدي جبار السماوات والأرض ، وأمام الخلائق في محشر يوم القيامة ( الآيات : 35 - 37 ) . ويتحدى السياق المكذبين من الأولين والآخرين ، بهدف إذلالهم وإظهار صغارهم أمام الناس ، حيث كانوا يتكبرون في الدنيا بما عندهم من السلطة والمال ؛ يقول