الذين بجهودهم حصل المسلمون على هذا الصلح ، حيث إنهم بايعوا الرسول على القتال تحت شجرة كانت هنالك ، فرضي الله عنهم ، وأنزل السكينة عليهم ، وأثابهم - في الدنيا - فتحاً قريباً متمثلًا في مكاسب صلح الحديبية ، ثم فتح مكة . ويعدِّد الله مكاسب المؤمنين بما يلي :
ألف : صلح الحديبية ، كما أنه صد أذى الناس عنهم ، وجعل ذلك آية وعبرة تاريخية يستفيد منها المؤمنون ( الآيات : 17 - 20 ) .
باء : وكان نصر المؤمنين عن اقتدار ، وليس عن ضعف أو ذل ومهانة ، فلو قاتلهم الذين كفروا عند مداخل الحرم المكي لولوا الأدبار . وهذه سنُّة الله التي لا تتبدل ، ولو أن الله أراد لشبَّ القتال وانهزم الكفار ، ولكن لحكمةٍ كف الأيدي عن الحرب ببطن مكة . وكانت قريش تستحق القتال ، فقد صدوهم عن المسجد الحرام ، أما حكمة كف الأيدي ؛ فلأنه كانت طوائف من المؤمنين متداخلين مع قريش يعملون بالتقاة ( الآيات : 21 - 25 ) .
تاء : قتال المؤمنين لا ينبعث من العصبية ، بل من مصلحة الرسالة ، لذلك فهو يدور على محور المصلحة الإيمانية ، بينما قتال الكفار ينطلق من منطلق العصبيات الجاهلية ، ولذلك فهم لا يبلغون أهدافهم به .
فقلوب الكفار مليئة بالحمية الجاهلية ، بينما تعتمر أفئدة المؤمنين بالسكينة الإيمانية ، لأنهم قد التزموا بكلمة التقوى ( الآية : 26 ) .
ثاء : هذا وقد تبيَّن صدق الرؤيا التي رآها الرسول ، بأنه يدخل المسجد الحرام هو والمؤمنون بالحق ، بلا خوف ، فجعل قبله فتحاً قريباً . أما الهدف الأبعد ؛ فهو أن يظهر الدين الإسلامي على الدين كله ولو كره المشركون ( الآيات : 27 - 28 ) .
وفي خاتمة السورة : يُبين القرآن صفات أصحاب الرسول الذين اتبعوا الرسول في ساعة العسرة ؛ في السلم كما في الحرب ، ويُبيِّن أن كل فضائلهم آتية من علاقتهم بعبادة ربهم ، والتبتل إليه ، لذلك تراهم : أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ، يبحثون عن رضوان ربهم : سيماهُمْ في وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ . . . ( الآية : 29 ) .
وبهذا تحيط السورة بكل زوايا الصلح مع قريش ، وتعالج المشاكل الجانبية التي قد تنشأ من أي صلح محتمل مع عدو كافر .
مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 213
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢١٣