إنما أعطاهم الرب هذه المنزلة الرفيعة لما وجده فيهم من عمق الإيمان ، وصدق العمل ، وشجاعة الإقدام ، والإحسان إلى الناس . ولعل الحديث عنهم ( عليهم السلام ) في هذه السورة المباركة يتصل بهذا الجانب من حياتهم ، نفياً للبدع الجاهلية .
من هنا ؛ نستطيع القول بأن الخط العام لسورة الصافات هو بيان العلاقة السليمة بين الله عز وجل وسائر خلقه ، التي تتجسد من جهته في الإنشاء ، والخلق ، والإبداع ، والرزق ، و . . . أما ما دون هذه العلاقة ، فإن هناك معراجاً واحداً يتقرب من خلاله الخلق لربهم ، وهو الإيمان والعمل الصالح .
وحين نتدبر في جمل بصائر السورة تتجلى لنا المسؤولية بأظهر صورها ، والتي تصعقنا عند قول الرب : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ
فالشرك بالله من خلال الاعتقاد بربوبية الملائكة أو الجن أو الآلهة المزيفة الأخرى ، له مبرر نفسي ، وهو محاولة التملص من المسؤولية .
ويوم القيامة ، هو يوم ستتجلى فيه المسؤولية بشكل واضح وأكيد ، حيث الصيحة العظيمة ؛ فإذا بالظالمين قيام ينظرون عذاب الله ، وهناك تتجلى المسؤولية التي طالما تهربوا منها في الدنيا ، فتسقط تبريراتهم التي زعموا بأنهم قادرون على جعلها وسيلة للتخلص من جزاء أعمالهم .
ويبقى أن من أبرز أدّلة المسؤولية في الدنيا ، وجود الجزاء . فلو كنا في مجتمع يحكمه الظلم ، ثم سكتنا عنه ، فشملنا الذل والبلاء ، فإن ذلك دليل مسؤوليتنا عن الوضع ، حتى لو بررنا ذلك بثقافة الجبر أو فلسفة الانتظار .
ومحور المسؤولية هو الذي يوصل محاور السورة ببعضها ، وأبرزها ثلاثة محاور :
الأول : نفي الأنداد الذين يتخذهم الجاهلون آلهة لعلهم ينصرون . إن غايتهم من عبادة الآلهة التنصل من جزاء أفعالهم ، ولكن هيهات ! فالملائكة صافون لربهم صفاً ، والشياطين محجوبون عن السماء ، وتترصدهم الشهب ، والمستكبرون محضرون لحساب عسير .
مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 170
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٠