فهذا الإنسان المبشّر بالخير والفوز والسعادة ، قد نال كل هذه البشرى لأنه أولًا اجتنب الطاغوت ولم يتبع قائدًا أو حزبًا اتِّباع الأعمى . وثانيًا لأنه قوّم ما سمع ، ونقده ، ثم اتبع الأحسن ؛ أي أنه اختار الأحسن بإرادته وحكمته . ومن الطبيعي أن يكون الفوز والفلاح له ولأمثاله دون الذين جعلوا أنفسهم عُرضةً لكل عاصفة ، بل لعلّ من الناس من تزيحه ريح خفيفة لفرط ضعفه وهوانه .
بلى ؛ إنّ الإنسان كائن مسؤول ، وعليه أن ينتشل نفسه من نار غضب الله ، من خلال التوجّه لربّ العالمين ، وتذكّر نعمه عليه ؛ ومن نعم الله أنه جعل في نفس كل إنسان القدرة على مقاومة إغراء الفساد وغواية الضلال ؛ فهو يعلم أن من استمع إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان ينطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان . وهو يعلم أيضًا ، أنه إذا قرأ كتابًا ، أو شاهد فيلمًا ، فعليه أن يقرأ ويشاهد بعين مفتوحة وقلب بصير ، قادر على التقييم الصحيح ثم الاتباع الأحسن .
إنّ الإنسان مطالب بأَلَّا يسترسل مع الغرور بالله ؛ أي بأن ينأى بنفسه عن كل ما يُبعده عن الله وعن القيم الحقّ ، وعن الجدّية في الحياة ، وهذا لا يتعارض أبدًا مع الانتماء إلى مجموعة من الناس هدفها الحقيقي وسلوكها الرصين يصبّان في خدمة الأمّة ؛ إذ المهم أن يكون الانتماء انتماءً واعيًا .
فنحن لا ندعو إلى عدم الانتماء السياسي أو الثقافي أو غير ذلك ، ولكننا ندعو إلى الاختيار الواعي لدى الانتماء ، وهذا الاختيار ينبغي أن يكون قائمًا على الأسس والقيم الإلهية والمعايير الدينية الصحيحة ، ثم استمرار هذه الوعي دائمًا ، فإذا بدأت المجموعة بالانحراف اتخذ الفرد سبيلًا آخر .
بينات من فقه القرآن (سورة لقمان) — صفحة 296
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩٦