تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
1 - وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ . يستعرض القرآن المجيد في هذه الآية وما بعدها جملةً من الاقتراحات التي تُقدِّم ويتقدَّم بها الكفار سابقًا وحتى الآن ، اعتراضًا منهم على بعثة الرسول ورسالته القدسية المُنزلة من عند الله سبحانه وتعالى . هذه الاقتراحات التي تُعبّر عن مستوى معارفهم وطبيعة ظنهم فيما يتعلق برسالات الله . ولا ريب في أن معارفهم كانت ضحلةً ، وظنونهم خاطئة . لماذا ؟ . لأنهم كانوا قد ألغوا الآخرة من حساباتهم واستحوذ حب الدنيا عليهم ، حتى جعلهم لا يرون الحقائق ، وإن رأوها ؛ فَمِنْ خلال منظار الدنيا المحدود . . فلم يعودوا يملكون أُفقًا ، بعيدًا حتى صار شأنهم شأن من يرغب في الزواج من فتاة جميلة غير آبهٍ بحقيقة إصابتها بمرض قاتل . . فالكفار تساءلوا معترضين على النبي ورسالته لكونه يأكل الطعام أو يمشي في الأسواق ، وكأن المشي في الأسواق عيب على من يبعثه الله نبيًّا ، وكأنهم - أيضًا - أرادوا له أن يكون كما الملك الجبّار الطاغية ، الذي لا يهتم إلَّا بإصدار الأوامر القاسية . أو كان اعتراضهم هذا نابعًا من ظنهم بضرورة أن يعتزلهم مُبلِّغ الرسالة ، ليخلو لهم جو الحياة ليفعلوا فيها ما يريدون . أي أن اعتراضهم كان نابعًا من رغبتهم في عزل النبي وما يُمثِّله من وجود قُدسي ، وما جاء به من تشريع سماوي وديني عن واقع الحياة ، وهو ما يُطلق عليه اليوم بفصل الدين عن الدنيا ، وشرع الله عن السياسة . وفي الحقيقة يجسد اعتراضهم هذا رغبةً مبيَّتة في نفوس الكافرين تُعبِّر عن رفضهم لما يريده الله سبحانه وتعالى في خلقه ،