ويُواجهون الضغوط التي يتعرَّضون لها من أنفسهم ومن المحيطين بهم في كافة تصرُّفاتهم ، حتى ينطلقوا من مبادئهم الحكيمة ، فترى مثلًا كيف تصرف الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في أشد الظروف انطلاقًا من الحكمة الإلهية وليس من ردِّ فعله ، وذلك في معركة الخندق حينما نازل عمرو بن عبد ود العامري ، حيث شاهده المسلمون يقوم عن صدر الكافر الفاجر ، فنادوه : أن يا علي أجهز عليه ما دام ساقطًا على الأرض ، ولكنه قام عنه قليلًا ثم عاد وقضى عليه . ولما سُئل عن ذلك ، أخبرهم بأن خصمة قد وجّه إليه إهانة شخصية ، فخاف أن يكون إجهاز ه عليه انطلاقًا من غضبه وانتقامًا لذاته ، فقام عنه وصبر هنيئة ليبرد غضبه ، ثم عاد إليه فقتله .
وليس يصل المرء إلى هذه الرؤية الصافية الثاقبة إلَّا حينما يذوب في بوتقة الحكمة ، ويرتبط بالله ارتباطًا تامًّا .
2 - وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً .
بلا إسراف وابتذال ، وبلا اقتار وقبضٍ شديد ، بل القوام هو المطلوب والمؤمَّل من المؤمن الكادح ليصل إلى منزلة ( عباد الرحمن ) .
والقوام هو ما يُقام به النظم ويُعتمد عليه . وهذا يعني أن لعباد الرحمن ميزانًا يرجعون إليه في تصرُّفاتهم ، مثل عطائهم أو إمساكهم . والميزان هذا قائم على الحكمة التي هي معرفة الحقائق زائدًا العزم على التصرُّف وفقها بما يُرضي الله تبارك وتعالى .
ومن هنا ؛ يتَّضح أن الدين الإسلامي يهدف إلى تربية الفرد الصالح في أجواء مجتمع صالح ، وضمن نظام اقتصادي فاضل ، لأن مثل هذا النظام هو الذي يُنتج حياةً سليمة ، نظرًا لأن النظام
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 278
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٨