لقد توغلوا في الغي وتمادوا في الشبهة حينما قالوا ذلك . إذ الرسول نفسه لم ولن يطلب من ربِّه أن يراه . وأي إيمان بالله هذا الذي سيتمخض عن رؤيته ؟ . أَوَلَيس كافيًا للاعتراف به أن المخلوق يعجز عن معرفه كُنْه ذاته ؟ . أَوَلَيس كافيًا للمخلوق أن يرى آثار خالقه فيؤمن به ؟ . أَوَلَيس كافيًا للاعتراف بمخلوقية الأشياء على أن لها خالقًا ينبغي أن يُقَرَّ له بالربوبية والعبودية ؟ .
وها هم قد استكبروا في أنفسهم وتجاوزوا حتى المقام النبوي ، فأرادوا أن تتنزل عليهم الملائكة بالوحي مباشرة . أي أنهم بتكبرهم رفضوا إرادة الله عزَّ وجلَّ في أن يجعل بينه وبينهم واسطة ؛ هو النبي والرسول . بل وراحوا أبعد من ذلك ، حين طلبوا أن يروا الله جهرةً .
إن هذا لهو الانحراف الكبير الناتج عن أقبح أشكال التكبّر ، وهو العتو .
ولكن الله تعالى يترك عبده في حقبة الامتحان ، ليثبت لنفسه جدارته في دخول الجنة أو النار ، لئلا تكون الحجة له على ربه . وحين تنتهي تلك الحقبة ، سيرى الملائكة حقًّا ، وسيرى أمر ربِّه ماثلًا أمامه . فإما أن تواجهه الملائكة الغلاظ الشداد ، فيسوقونه إلى الجحيم . أو تبشره ملائكة الرحمة والرضوان ، فيزفونه إلى الجنان .
بصائر وأحكام :
من الملاحظ أن كتاب الله المجيد ينتزع جذور الشبهات من قلب الإنسان التي قد تطرح فيه من قِبَل شياطين الإنسن والجن ، بل وإن كتاب الله ليستبق الأمر فيحصن قارئه من الشبهات قبل أن تهجم بها عليه .
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 102
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٢