أولًا : أرأيت هذه الجبال التي تحيط بنا لو انعدمت الجاذبية في الأرض لأصبحت كثيبًا مهيلًا . ثم تصور لو أن السحب التي تتراكم في السماء كما الجبال في الأرض ، لو أنها كانت في كرة شديدة الجاذبية ، ألم تكن كما الجبال على الأرض ؟ وهكذا نجد التعبير في غاية الدقة عما في السماء من تراكمات السحب التي يشهدها من في الطائرة كما يشهد الجبال في ترتيبها وتداخلها وتعاضدها . بلى ؛ كل هذا من صنع الله الذي أتقن كل شيء صنعه .
ثانيًا : عندما تعصف الرياح الشديدة بتلك الجبال التي تكونت بفعل تراكم الغيوم في السماء ، فإذا بحبات المطر تتقلب في كف الرياح الشديدة صاعدة نازلة ، وبفعل البرد الشديد تتحول إلى بَرَد مثلّج مصنوع في تضاعيف هذه الجبال ، حتى إذا تكاثفت وثقلت وقعت على الأرض . فربما كانت نعمة ، وربما تحولت نقمة .
إذا كانت الرياح شديدة ولم تسمح لوقوعها إلا بعد أن أصبحت مثل كرة المضرب أو حتى أكبر ، أهلكت الأحياء ، وربما هدمت المباني ، وأفسدت الأرض .
ثالثًا : عندما نتأمل في مواطن هطول الأمطار ، نجد أنها لا تضبط بحدود مفهومة لنا سلفًا ، ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بها ، ولكنها في النهاية تهطل بحكمة بالغة مما يصيب قومًا يستحقونها ويُصرف عن آخرين ، إما لأنهم قد ظلموا أنفسهم وجار قضاؤهم ، وتمادوا في عصيان ربهم ، أو لأي سبب آخر .
وهكذا نجد آثار التدبير الرباني جلية واضحة .
وعند التفكر نجد أن تدبير الله تعالى لرزق عباده أو لتقدير شؤونهم هو كتدبيره في هطول الأمطار ، وهكذا في سائر آفاق الخلق .
بينات من فقه القرآن (سورة النور) — صفحة 189
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٩