تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
دارهم » . « 1 » فهذه دنياهم وتلك هي أخراهم ، لأن أخراهم باطن دنياهم ، فدنياهم لا يزال لهم القارعة وأخراهم لا يزال تزيد لهم غمّاً على غمٍّ وقارعة على قارعة وناراً بعد نار ، أعاذنا اللَّه من هذه الرّذيلة الموبقة . ومع بالغ الأسف انّ أكثر النّاس متّصفون بهذه الرّذيلة وهي آخر ما يخرج عن قلوب المهذّبين وهي تلازم الكفران بنعم المنعمين عليه والبغضاء والجزع والفزع وسوء الأدب بالنسبة إلى النّاس وسوء الظنّ بهم والوسوسة والحسد ونحو ذلك ، كما تلازم معاصي موبقةٍ أخرى كالغيبة والنميمة والشماتة بل التهمة بل الشرك في العمل والكفر فيه وفي القول وترك إعانة المؤمنين وصلة الرّحم ونحو ذلك . وبالجملة : أنّها من امّهات الرّذائل ، وهذا هو سرّ جهد التنزيل العزيز لقلع هذه الشجرة الخبيثة عن نفوس أهل الايمان . فقول اللَّه تعالى : « ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها » « 2 » يشير إلى أنّه لو رُفع نعمةٌ أو أُخّرت إلى حين آخر ، تُجبر بخيرٍ منها أو لااقلّ بمثلها ، كما انّ اللَّه تعالى لو نسخ حكماً من أحكامه أو أخّره لكانت المصلحة في ذلك وهو يجبره بأحسن منه . فحكاية النبي موسى والعبد الصالح عليه السلام في الذكر الحكيم تشير إلى نكاتٍ ، منها : انّ وراء خرق السفينة الّتي كانت لقومٍ مساكين ، لمصلحةً هي خير لهم من ابقاءها لهم . قال تعالى : « أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت ان أعيبها وكان ورائهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصباً » . « 3 » ومنها : انّ قتل الغلام كان خيراً لأبويه وان لم يكونا عالَمين به ، قال تعالى : « وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا ان يرهقهما طغياناً وكفراً *
هامش
( 1 ) - / الرّعد / 31 ( 2 ) - / البقرة / 106 ( 3 ) - / الكهف / 79