دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إنّ اللَّه يحبّ المقسطين * إنّما ينهيكم اللَّه عن الّذين قاتلوكم في الدّين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظّالمون » . « 1 » وقوله تعالى : « اذهبا إلى فرعون إنّه طغى * فقولا له قولًا ليّناً لعلّه يتذكّر أو يخشى » « 2 » .
ومن تفحّص الكتاب بعد أنّ نصب هذا التنبيه أمام عينيه ، له أن يجد أزيد من مأة آية تدلّ على أنّ سيرة الأنبياء في تبليغهم لم تكن إلّاعلى اللّينة والموعظة والتّواضع ، بل خضوعهم وخشوعهم للنّاس تعدّ من معاجزهم الباهرات ، والإرعاب والتّهديد لم يكن إلّا بعد اليأس عنهم ، بل الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر وجميع أنحاء الارشاد بُنى على التّواضع والخشوع ، وامّا غير هذا فلم يكن إلّافي صورة اليأس عن التّأثير أو مع احتمال التأثير في صورة التهديد والإرعاب .
4 - التّواضع للحقّ والحقيقة :
وهذا التّواضع أجود وأحسن ما يتّصف به المرء ، لأنّه لا يمكن أن ينال شيئاً من العلم والتّهذيب والتّقوى إلّابعد أن حاز هذا القسم من التّواضع لأنّ التّواضع والعلم والتّقوى والتّهذيب ، بل التّواضع والدّين توأمان لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر وهما يرتضعان من لبن واحد ، فالمتواضع يقبل الحقّ ويستفيد العلم ولو من أجهل النّاس ، ولو كان صبيّاً ، ويتواضع له ، ويشكره ولسان حاله يقول : من علّمنى حرفاً فقد صيّرنى عبداً .
وأنت إذا تأمّلت في قصّة موسى والعبد الصّالح عليه السلام في آخر سورة الكهف تدرك كيفيّة تواضع موسى عليه السلام له عليه السلام قولًا وعملًا ، ورسوخ التّواضع في قلبه عليه السلام بحيث كان يستفيد منه مع ما كان عليه من الرسالة ومقام التكليم .
هامش
( 1 ) - الممحنة / 8 - 9
( 2 ) - طه / 43 - 44