تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 498

مساهمون:

ص٤٩٨
وقال تعالى : « ان الإنسان لظلوم كفار » « 1 » وقال تعالى : « قتل الإنسان ما أكفره » « 2 » وقال تعالى : « وما قدروا اللَّه حقّ قدره » « 3 » وكم لها من نظيرٍ . وكثرة الآيات المتضمّنة للترغيب نحوها تدلّ على قلّتها اوّلًا ، وعلى كونها أحبّ الأشياء عند اللَّه ثانياً ، وعلى كون ضدّها - وهي رذيلة القدر - أبغضها عنده تعالى ثالثاً ، حتّى كأنّه تعالى قد غضب على من لا وفاء له ، فقال : « قتل الإنسان ما أكفره » . والإنسان إذا سمع أو رأى وفاء من أحد يدخل في قلبه سرور وشعف لا يقبل وصفاً وكانّ نوراً وضياءً أحاط بالمتّصف بهذه الفضيلة حتّى انّ لفظ الوفاء يفوح منه النور ويُستشمّ منه البهجة والسرور . وهذا سرّ محبّة الإنسان للحيوانات الوفيّة كالكلب والهدهد . فلذا إذا سمع ان بعض الحيوانات ذو وفاء ، يقع في القلب محبة ذلك الحيوان المشوبة بالسرور وقد اشتهر ان مثل الكلب من السباع والهدهد من الوحوش ذو وفاء شديد . في البحار عن الجاحظ ان هدهد وفاء حفوظ ودود وذلك أنه إذا غابت انثاه لم يأكل ولم يشرب ولم يشتغل بطلب طعم ولا غيره ولا يقطع الصيّاح حتّى تعود إليه فان حدث حادث اعدمه إياها لم يسفد بعدها أنثى ابدا ، ولم يزل صائحا عليها ما عاش ولم يشبع ابداً من طعم بل يناله منه ما يمسك رمقه إلى أن يشرف على الموت ، فعند ذلك ينال منه يسيراً . « 4 » وقد اشتهر بين الناس وفاء الكلب ، وأنّها يجعل نفسها معرضاً للهلاك حفظاً لصاحبه وماله وعرضه وبيته وإن لم يكن وفيّاً بها وانها لا تعرض عن صاحبها وان كان غدراً ، فالجوع عند صاحبها أحسن لها من الشبع عند غيره وقيامها بمهمّتها عند صاحبها جائعة
هامش
( 1 ) - إبراهيم / 34 ( 2 ) - عبس / 17 ( 3 ) - الانعام / 91 ( 4 ) - بحار الأنور ، ج 61 ، ص 288 ، باب 10 ، ذيل ح 52