تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
ثمّ اخبر ثانياً بانّه تعالى يذرهم في طغيانهم يعمهون فكأنّهم حيوانٌ حتّى اخرجهم اللَّه تعالى من ولايته ، فالصورة صورة الإنسان والسيرة سيرة الوحوش والحيوان . وقد أشرنا فيما مضى من هذا الكتاب انّ هذه الآيات ليست إلّافي مقام الاخبار ، فلا انشاء فيها . والمراد اخبارها عن كونهم في مرتبة الحيوان بحسب الواقع ونفس الأمر ، لا انتسابهم إليها خفةً لهم وازدراءً بشأنهم . ثمّ انّ هذه الرّذيلة لمّا كانت من الملكات فلا محالة تكون مقولة بالتّشكيك ، كما أنّ ضدها مقولة بالتشكيك ولها مراتب شدّة وضعفاً ، فالمرتبة الشّديدة منها هي لمن نزلت فيه : « قل اللَّه ثمّ ذرهم في خوضهم يلعبون » فلا شعور بالمسؤوليّة فيه اصلًا ، فهو كميّت بين الاحياء . والمرتبة الضّعيفة منها فيمن مهّد الشيطان عليه سبيلًا ، فيما إذا غلب عليه حبّ الدّنيا بمعناه العامّ ، أو أقبلت الموانع إليه فرفعت عنه ذلك الشعور ، كغالب النّاس ، بل كلّهم إلّامن شذّ منهم . والمرتبة الوسطى الّتي لها عرض عريض توجد في المذبذبين بين الصنفين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، وهي أيضاً كضدّها تنقسم باعتبار المتعلّق إلى اقسام : وهي التقصير في الدّين ، والتقصير بحسب الرّوح ، والتقصير بحسب الجسم ، والتقصير بحسب العمر ، والتقصير بحسب البيت ، والتقصير بحسب المجتمع . وبعض النّاس مقصّرون إلى الغاية في الدّين والمعنويّة ، ولكنّهم يشعرون بمسؤوليتهم قبال أجسامهم وهم كثيرون وهذا دأب المنغمرين في المادّة من أبناء الزمان ، حيث هجروا المعنويّة ورضوا بما استجلبوا من العوائد الفانية المادّية ، يراعون الجسم ويهملون الرّوح ، فأولئك كالانعام بل هم اضلّ ، لانّ الغافل عن بعده النفسي هو شرّ الدّوابّ .