تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
يقرب من ثلاثين آية . ولا علّة لصدّهم عن الحقّ إلّاأنّ حب الرئاسة تمكّن في قلوبهم ، ولا سيما في قلوب علمائهم وأوليائهم السوء ، هذا بالنسبة إلى أصل هذه الرذيلة . امّا بالنسبة إلى ما يلازمها ، فكفاها قبحاً عدم فكّها عن النفاق والرئاء ، حيث إنّ التلازم بين الثلاثة أمر قهرىٌ قلّما يمكن انفكاك بعضها عن بعضٍ . توضيح ذلك : انّ المحبّ للجاه لا همّ له إلّااستجلاب انظار النّاس إلى نفسه وبسط الحكم على قلوبهم ، وهذا يلازم التظاهر بمحاسن الاخلاق ، وبالمحسّنات الشّرعيّة والعرفية ، بل هو لا يبالي ان يكذب مرة ويتفاخر أخرى ويغتب ثالثاً بل لا يتمالك نفسه عن أن يباهت ليستجلب الناس ، فلا شعار له الا المكر ولا دثار له إلّاالخديعة ثمّ إذا تمالك قلوبهم وسلّط عليهم ، يحتاج إلى خديعة أخرى محافظةً على سلطته وابقاءً لها . قال تعالى : « انّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا اعزّة أهلها اذلّة » « 1 » وممّا يجب ان نعلم ، انّ هذه الرّذيلة عند المتّصف بها تعدّ أعلى قدراً وشأناً على سائر الرّذائل ، فهو يغضّ البصر عن غيرها طلباً لها ، فيكفّ عن أمواله ومَلَذّاته استجلاباً للمكانة في قلوب الناس فضلًا عن رفعه اليد عن زوجته وعرضه ليصل إليها . وكلّ ذلك دليل على انّ الرّئاسة احبّ إلى الإنسان غير المهذّب من كلّ المشتهيات ، وليس هذا من طلبة الدنيا الدنيّة بعجب . حكى أنّ حميد بن قحطبة وكان من رؤساء عسكر الرشيد ، استفطر في شهر رمضان ، فلمّا سئل عن ذلك ؟ قال : إياساً من رحمة اللَّه وغفرانه ، حيث قتلتُ من ذريّة الزهراء سلام اللَّه عليها ستّين ذكراً بين غلام ورجلٍ . وذلك انّ الرشيد هارون سألني ليلة عن مدى محافظتى على عهده فأجبته أفديك بمالي فلم يرض ففديته بنفسي فلم يرض ففديته بعرضي فلم يرض فقلت له أفديك بديني فطاب وقته وأعطاني سيفاً وقال افعل كلّما أمرك به هذا
هامش
( 1 ) - الّنمل / 34