كلّ ما في الكون وهمٌ أو خيال * أو عكوس في المرايا أو ظلال
لانّ الوقاع والاكل والشّرب ، وكذلك الجوع والظّمأ ، لها ما يقابلها في العالم العيني المادي ، وامّا الرّئاسة ونحوها فليست إلّاوهماً أو خيالًا .
ولكن أسفاً على أبناء الدّنيا حيث يقدّ مونها على كلّ من الاكل والشّرب والوقاع ونحوها ، ولعلّ السّرّ في ذلك قوّة عالَمَى الوهم والخيال بالنسبة إلى عالم الجسم والمادّة ، فلا مردّ من كون آثار ذاك العالَم أقوى من آثار هذا العالم .
وهذه اللّذّات والآلام أيضاً مشتركة بين الإنسان والحيوان .
الا ترى انّ النمر والأسد كيف تحبّ التّقدّم ، وانّ الّنمل والذّئب كيف يحرص على جمع المال ونهبه ؟ .
3 - اللّذّات والآلام الرّوحية كالعلم والإعانة ، والغلبة على الظّلم ، والعدالة ، وابطال الباطل واثبات الحقّ ، والاتصاف بالفضائل ، والتهذيب عن الرّذائل ونحو ذلك .
فهذه اللّذّات والآلام تختصّ بالانسان ولا نصيب للحيوان فيها وحقيقة الإنسان ليست إلّامن هذه اللذات أو الآلام . وقد أشرنا إلى ما جرى بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين ابن عباس لمّا رآه يختصف النعل بيده ، فاعترض عليه ، فأجابه عليه السلام : واللَّه لهى احبّ الىّ من أمرتكم إلّاان أقيم حقّاً أو ادفع باطلًا . « 1 » فأراد عليه السلام اعلام الناس أن لا عناية له بالدنيا وما يرجع إليها من المكانة والرئاسة إلّا ما يؤدّى إلى اثبات حق أو ازهاق باطل . وهذه هي سيرة الالهيّين حيث لا يشتغل قلبهم بخسائس الدنيا الدنيّة كالأكل والشرب والوقاع الّا بما لابدّ منه .
النّفس المتألّهة تحبّ اللَّه تعالى ، وتحبّ ما يحبّه اللَّه تعالى ، وتحبّ الفضائل كلّها ، وليس شيء يصرفها عنها ، وهي متوغّلة في ذلك الحبّ ، وهو غالب على قلبها .
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة ، الخطبة 33