تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
من السّماء أو ائتنا بعذاب اليم » « 1 » وروى أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يمرّ بجهنم فمن أهل النار من يستشمّ نسمة الرحمة فيسئل عنها ثمّ يستدعى من خزنة النار أن يغلق عليه الأبواب حتّى لا يراه بغضاً وحسداً عليه ! . ثمّ ان الحسد كسائر الرذائل أمر ذاتي كحب الدّنيا وحبّ المشتهيات ونحوهما من الغرائز ، نعم ان الرذائل كلها ليست من الذاتيات الّتي لا تزول ، فبا لرياضات الدينيّة وبالطرق الّتي مرّت الإشارة إليها تفصيلًا يمكن التخلية والتحلية والتجلية ، وبعبارةٍ أخرى ان الرذائل بحسب الاقتضاء ذاتية ، ويمكن ان يمنع من فعلية ذلك الاقتضاء كما يمكن ان يصير ذلك الاقتضاء فعليّاً بمتابعة النّفس عنه وليس ارسال الرسل وانزال الكتب إلّالزجر الناس عن متابعة الرذائل ، حتّى لا تكون فعليةً في أنفسهم . قال تعالى : « لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم النّاس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للنّاس » « 2 » فلو لم تصلح النّفس للتخلية والتجلية فما كانت بعثهم إلّاعبثاً ولغواً سبحان اللَّه عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً . فليس للحسد كغيره من الرذائل علّةٌ غير أنّه من الذاتيات ، أي : كونه مرتكزاً في النّفس فكما يكون له حبّ المشتهيات يكون له الحسد والكبر والعجب شدة وضعفاً . نعم قانون الوراثة وقانون المحيط وقانون التغذية وقانون الصداقة والصديق ونحوها من القوانين التكوينيّة أو التشريعيّة يقتضى الشدة أو الضعف لتلك الرذائل والفضائل ، ولكن يجب أن يُعلم أن للرذائل كلّها ( كما انّ للفضائل كلّها ) نحو ارتباط مع الأخرى خفيّاً كان أو جليّاً ويسمّى الجلىّ منه بالملازمة فلذا قلنا إن الحسد يلازم الكبر والعجب وسوء الظن وحبّ الدّنيا بمعناه العام والبغضاء ونحو ذلك .
هامش
( 1 ) - الأنفال / 32 ( 2 ) - الحديد / 25
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 398 | الشيخ حسين المظاهري