تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
أنّ خرج من عند الأمير ، فظنوا أنه تذكر رواية أخرى من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا دخل على هارون سأل عنه هذه العطيّة مستمرة في كلّ سنة أو تخص بهذه السنة فقط ، فضحك هارون وقال صدق رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ قال له مستمرة في كلّ سنة ، فلما خرج ما مضى لحظات إلّاو قد مات ومضى سبيله . ونظير هذا كثير جدّاً . والعجب أنّ الحريص قد لا يكون محباً للدّنيا بمعناها العام ولكنّه حريص فيها ، فلهذا ليس ما اشتهر من علماء علم الأخلاق من عدّ الحريص من مصاديق محبّ الدّنيا بسديد ، لانّه ربما نرى غير المهتمّ بالدنيا بمعناها العام أو غير القادر على الاهتمام بها يكون حريصاً فيها فالحريص حريص في جمع المال ولو لم يقدر على حفظه ، والحريص حريص في ملكه ورياسته ولو لم يقدر على حفظها ، وقس على ذلك والتجربة أثبتت ذلك حيث يُرى أنّ الحريص يكون كالنملة ، والحرص واد من أودية جهنم : قال الصادق عليه السلام : « لو انّ لابن آدم واديين يسيلان ذهباً وفضة لابتغى إليهما ثالثاً . . . . لايملأه شيء إلّاالتّراب » . « 1 » رايت سائلًا بالكف ، يسأل النّاس ملحّاً متذلّلًا ، فحكى لي بعض من أثق به أنّ هذا السائل حينما حضره الموت كان يصرُّ على أنّ يُحضَر له برذعة حمار كان يركبه لمرض شللٍ أصاب رجليه فلما احضِرَ نظر إليه نظرة حاسر ، فكرّر النّظر حتّى مات ، فشقّوا البرذعة فوجدوها مملوءة من النقود ، ونظيره كثير . وتترتب على الحرص مفاسد عظيمة نذكر شطراً منها : الاوّل : انّ الحريص محروم من الدّنيا والآخرة ممنوعٌ عنهما ولو لم‌يكن الا كونه مطروداً غير معظّم عنداللَّه ليكفى في شقاءه في الدّارين : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : « من أصبح وكان أكبر همّه الدّنيا فليس من اللَّه في شيء والزم
هامش
( 1 ) - من لا يحضره الفقيه ، ج 4 ، ص 300 ، ح 88