الاستسقاء ، فكلّما زاد في ثروته زاد في حرصه ، كما أن المستسقى يكون كذلك .
وبما ذكرنا من التفسير للقناعة وضدها يظهر أمران :
الأول : ان القناعة ليست الكفاية والرضى بها ، كما يترائى ذلك من كتب علم الاخلاق .
لأنه ربّ قانع له ما فوق الكفاف بألوف ، وربّ من يرضى بالكفاف وليس بقانع ويفرّط في الشهوات ، فالكفاية والقناعة لمتكونا مترادفتين كما اشتهر ، بل ربما تجتمعان وربما تفترقان ، فلايتوقّف إحداهما على الأخرى ولاتتلازمان كما لاتكونان مترادفتين .
نعم في المقام كلام آخر قد مرّ منّا مراراً ، وهو ان الفضائل كلها بينها تلازمٌ ما كما أن الرذائل كذلك ، فالقناعة والزهد والاستغناء عمّا في أيدي الناس والكفاف والرضا كثيراً ما تجتمع ، كما أن الحرص وحبّ الدّنيا والطمع والولع في جمع الأعراض ونحوها كثيراً ما تجتمع .
وهذا غير ما اشتهر بين الاخلاقيّين ، من ترادف بعضها بعضاً ، أو نشوء بعضها من بعض .
الثاني : قد اشتهر بينهم ، ان القناعة من شعب الزهد ومن مصاديقه والحرص من شعب حبّ الدّنيا ومصاديقه ، وليس الامر كما قالوا ، وان كان كثيراً ما تجتمع القناعة مع ملكة الزهد ، والحرص مع ملكة حبّ الدّنيا ، لان الزهد كما مر هو كمال الانقطاع عن المشتهيات ، والقناعة هي الرضى بمقدار الحاجة ، وليس بينهما ترادف وليس أحدهما سبباً للاخر ولا ملازماً عقليا له ، وكثيراً ما يفترق أحدهما عن الاخر وقد يجتمعان ايضاً ، نعم الإنسان المتحلّى بالفضائل كثيراً ما يجمع بينهما وبين غيرهما من الفضائل .
وان حبّ الدّنيا هو اشتغال القلب بالمشتهيات ، وان الحرص هو الافراط فيها ، وليس بينهما ترداف ولا سببّيه بينهما . واما الإنسان المتصف بالرذائل كثيراً ما يجمع فيه كلاهما كغيرهما من الرذائل .
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 268
مساهمون: الشيخ حسين المظاهري
ص٢٦٨