فامرئة فرعون حين اغتالها آل فرعون وأرادت أن تقتلها سألت من ربّها الجنّة ولكن عنداللَّه تعالى ، لان النعم في الدنيا كلها بلاصاحبها الّذي هو خالقها وبارؤها وزر وعذاب ، وعند أهل اللَّه تعالى النعم الأخروية والدنيويّة في ذلك سيّان ، فالجنّة ونعيمها نعم ولذائذ إذا كانت ردفاً لقول اللَّه تعالى : « سلام قولًا من ربّ رحيم » « 1 »
لا يقال إن القرآن مدح يحيى عليه السلام بكونه حصوراً ، والحصور هو من منع نفسه عن النساء والزواج ،
قال اللَّه تعالى : « انّ اللَّه يبشرك بيحيى مصدّقاً بكلمة من اللَّه وسيّداً وحصوراً ونبيّاً من الصّالحين » « 2 »
وان عيسى وامّه مريم عليه السلام أيضاً كانا حصورين ، فهذا وأمثاله يدل على جواز الاعراض عن النساء ، بل على كونه حسناً ، فيجوز التباعد عن الدنيا ولذّاتها .
لأنه يقال إن الحصور في القرآن جاء بمعنى العفّة لا بمعنى العزوبة ، فمدح اللَّه تعالى يحيى بكونه عفيفاً ذا ورعٍ فيما يرجع إلى الجنس كما مدح مريم بذلك .
واما عدم زواج مريم وابنها ، بل يحيى ، فغير معلومٍ ، وقوعاً ولمّيّةً ولو سلم بذلك ، فهو مسئلة خارجية ، غير معلومة لنا ، ولعل الظروف الخاصّة بهم تمنعهم عن الزواج ، كما يظهر من التاريخ ، فربما يوجب الزمان أو المكان أو غيرهما من المقتضيات والموانع رفع اليدعن كثير من المندوبات ، كما يمنع في بعض الأحيان عن الاتيان بالواجبات .
وبالجملة ان مجرد فعل ظهر عن نبىّ أو ولىّ لا يوجب رفع اليد عن حكم الفطرة والوحي وسيرة العترة الطاهرة ، بعد عدم معلوميّة ذلك الفعل لميّةً ولعلّهم كانوا مزدوجين والتأريخ لميرو لنا سيرتهم في ذلك ، وهذا لا استبعاد فيه نظراً إلى البُعد الواقع بين زمانين ، زمانهم وزماننا هذا ، ولو سلّم كونهم مجردين ، فعلة ذلك ليست بمعلومة لنا فليس سيرتهم
هامش
( 1 ) - يس / 58
( 2 ) - آل عمران / 39