ويكره لغيره ما يكره لنفسه لا في القول فقط ، بل في مقام العمل أيضاً . فطوبى لمن كان كذلك ورزقنا اللَّه وايّاكم هذه بحقّ الّذين تخلّقوا بأعلى مراتبها .
ومن آثارها الهامّة هو العفو والصّفح ، والفرق بينهما مع اشتراكهما في كونهما خلاف الانتقام وهو اسقاط حقّه على من ظلمه والاعراض عنه ، انّ الصّفح أبلغ من العفو لا شراب غمض العين في معناه دون العفو ، فالعفوّ يسقط حقّه مع رؤية ما ظُلم به عليه وجعله نصب عينيه ، ولكنّ الصّفوح يغمض عمّا ورد عليه من الأذى والمظلمة فكانّه لم يرد عليه شيء فيحسن إلى الظّالم كما أحسن إليه قبل ذلك ، فالعفو فعل الرّحيم والصّفح عمل الكريم .
فالعفوّ يعفو بعد أنّ ظُلِم ولكنّ الصّفوح يصفح من دون تعرّض فالعفوّ يمكن أن يظهر المظلمة ثمّ يسقط حقّه بالنسبة إليها ولكن الصّفوح يخفيها ويعرض عنها .
وهي من صفات اللَّه تعالى ولذلك قد أمر في كتابه الكريم مراراً بالعفو والصّفح ، بل يظهر من بعض الآيات أنّ غفرانه تعالى يوم القيامة يتوقّف على ذلك .
قال تعالى : « وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر اللَّه لكم » « 1 »
كما جعل تعالى العفو من علائم التّقوى .
قال تعالى : « وان تعفوا أقرب للتّقوى » « 2 »
وجعله من علائم الايمان .
قال تعالى : « والكاظمين الغيظ والعافين عن النّاس واللَّه يحبّ المحسنين » « 3 »
وجعله آلة الفوز في الرّئاسة والرّسالة أي هو ممّا يتوقّف عليه الفوز بالغاية وبالمآل آلة الوصول إلى الهدف .
قال تعالى : « خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين » « 4 »
هامش
( 1 ) - النّور / 22
( 2 ) - البقرة / 237
( 3 ) - آل عمران / 134
( 4 ) - الأعراف / 199